حملات البصرة العثمانية (1667–1669)

حملات البصرة العثمانية (1667–1669) هي سلسلة من العمليات العسكرية والسياسية التي نفذتها الدولة العثمانية في البصرة والقرنة بين عامي 1667 و1669، بهدف إنهاء الحكم شبه المستقل لأسرة آل أفراسياب وإعادة إخضاع إيالة البصرة بصورة مباشرة للسلطة المركزية العثمانية.
قاد الحملتين الرئيسيتين والي بغداد سلحدار قره مصطفى باشا بأمر من السلطان محمد الرابع. انتهت الحملة الأولى بسقوط قلعة القرنة سنة 1668 وفرار حسين باشا الأفراسيابي، ثم دخول القوات العثمانية البصرة وإنهاء حكم آل أفراسياب الذي استمر نحو سبعين عاماً. أما الحملة الثانية سنة 1669 فجاءت إثر خروج الوالي يحيى باشا على السلطة العثمانية واستيلائه على البصرة، وانتهت بانسحابه وإعادة تثبيت الإدارة العثمانية المباشرة في المدينة.[١]
الخلفية
[عدل]كانت البصرة خلال القرن السابع عشر ميناءً مهماً يربط العراق والخليج العربي بالتجارة القادمة من المحيط الهندي، كما ارتبطت بطرق التجارة البرية المؤدية إلى بغداد وإيران والجزيرة العربية. وأدى موقعها البعيد عن المركز العثماني وتعقيد البيئة القبلية والسياسية في جنوب العراق إلى صعوبة فرض سيطرة عثمانية مباشرة ودائمة عليها.[٢]
منذ أواخر القرن السادس عشر أصبحت إدارة البصرة في يد أسرة آل أفراسياب، التي حكمت المدينة مع الاعتراف الاسمي بسيادة السلطان العثماني ودفع مبالغ مالية وهدايا إلى الدولة. ومع مرور الزمن اكتسب حكام الأسرة قدراً واسعاً من الاستقلال الفعلي.[٢]
كان آخر الحكام البارزين من الأسرة حسين باشا الأفراسيابي، الذي عزز سلطته في البصرة والمناطق المحيطة بها. وأدت خلافاته المتكررة مع ولاة بغداد والدولة العثمانية إلى عدة مواجهات سبقت حملات 1667–1669.[١]
الصراع السابق للحملات
[عدل]في سنة 1664 تدخل حسين باشا في الأحساء التي كانت الإدارة العثمانية قد أسندتها إلى محمد باشا ابن علي باشا. وأمره السلطان بإعادة المنطقة، إلا أنه لم يمتثل للأمر.
نتيجة لذلك تحرك والي بغداد أوزون إبراهيم باشا بجيش نحو البصرة في أواخر سنة 1665، فتحصن حسين باشا في قلعة القرنة عند ملتقى دجلة والفرات.
استمر حصار القرنة أكثر من ستين يوماً، وانتهى باتفاق في 7 آذار 1666 تنازل بموجبه حسين باشا رسمياً عن ولايتي البصرة والأحساء. وأُسندت البصرة إلى ابنه أفراسياب، كما التزمت الأسرة بدفع مبالغ سنوية إلى الدولة العثمانية.[١]
وعلى الرغم من ذلك بقي حسين باشا صاحب النفوذ الفعلي في البصرة، الأمر الذي دفع الدولة العثمانية بعد أقل من عام إلى اتخاذ إجراءات جديدة لإنهاء نفوذه.
الحملة الأولى 1667–1668
[عدل]عزل آل أفراسياب
[عدل]في 22 أيار 1667 عزل السلطان محمد الرابع حسين باشا وابنه أفراسياب من حكم البصرة، وكان من أسباب ذلك عدم إرسال المبالغ المالية المتفق عليها إلى الدولة.
وعيّن السلطان يحيى آغا، وهو من رجال حسين باشا السابقين وكان موجوداً في أدرنة، والياً جديداً على البصرة تحت اسم يحيى باشا.[١]
رفض حسين باشا القرار، وتشير المصادر إلى أنه حاول الحصول على مساعدة الدولة الصفوية وعرض تسليم البصرة إليها، إلا أن الشاه سليمان الصفوي رفض الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة العثمانية حرصاً على استمرار السلام بين الدولتين.[٣]
إخلاء البصرة
[عدل]في كانون الأول 1667، ومع اقتراب الحملة العثمانية، قرر حسين باشا عدم خوض مواجهة مباشرة داخل البصرة.
وتذكر المصادر أن السكان طُلب منهم مغادرة المدينة باتجاه الأراضي الخاضعة للصفويين، كما تعرضت أجزاء من البصرة ومحيطها للحرق والتخريب، ثم انسحب حسين باشا مع أسرته وقواته إلى قلعة القرنة.[١][٣]
تحرك الجيش العثماني
[عدل]كلّف السلطان والي بغداد سلحدار قره مصطفى باشا بقيادة الحملة. وأُمرت قوات من ولايات ديار بكر وشهرزور والموصل والرقة بالانضمام إليه، إضافة إلى نحو ألفي إنكشاري أُرسلوا من المركز.[١]
تحرك الجيش العثماني من بغداد في 24 تشرين الثاني 1667 باتجاه جنوب العراق. وكانت طبيعة المنطقة، التي تتخللها الأنهار والمستنقعات والجزر، من أبرز الصعوبات التي واجهتها القوات في طريقها إلى البصرة.
ووصل الجيش في 17 كانون الثاني 1668 إلى منطقة دربند، حيث واجه قوات بقيادة مير محمود أحد أقارب حسين باشا، وتذكر المصادر العثمانية أن قواته ضمت آلاف المسلحين إضافة إلى قوة نهرية لنقل الجنود والعتاد.[١]
انتهت المواجهة بانتصار الجيش العثماني وتراجع قوات مير محمود، مما فتح الطريق باتجاه القرنة.
حصار قلعة القرنة
[عدل]كانت القرنة ذات أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها عند التقاء نهري دجلة والفرات وبداية شط العرب، ولذلك شكلت القلعة العقبة الرئيسية أمام تقدم الجيش العثماني نحو البصرة.
بدأ حصار القلعة بعد وصول القوات إلى المنطقة في كانون الثاني 1668. واستخدم الجيش العثماني المدفعية وأنشأ المتاريس حول القلعة، ثم نقل جزءاً من قواته ومدافعه عبر الأنهار لإكمال الحصار من جهات متعددة.[١]
كما عملت القوات العثمانية على قطع طرق الإمداد المائية المؤدية إلى القلعة، ولا سيما المياه التي كانت تسمح بوصول المؤن والمساعدات إلى المدافعين.
في 25 شباط 1668 شن الجيش هجوماً عاماً انتهى بالاستيلاء على قلعة القرنة. وكان حسين باشا قد غادر القلعة سراً قبل سقوطها بيومين واتجه إلى الأراضي الصفوية، حيث لجأ إلى حكام محليين مرتبطين بالدولة الصفوية.[١]
دخول البصرة وإنهاء حكم آل أفراسياب
[عدل]بعد سقوط القرنة أصبحت الطريق إلى البصرة مفتوحة أمام الجيش العثماني. وبعد نحو شهر دخل قره مصطفى باشا المدينة من دون مقاومة كبيرة وسلم إدارتها إلى الوالي الجديد يحيى باشا.[١]
شكّل ذلك نهاية حكم آل أفراسياب في البصرة بعد نحو سبعة عقود من الحكم المحلي شبه المستقل.
وأعاد قره مصطفى باشا تنظيم الإدارة والمالية في إيالة البصرة، وربط مواردها بصورة مباشرة بالخزانة العثمانية. كما خصص قوات لحماية القلاع المهمة، ومنها:
- قلعة القرنة.
- قلعة البصرة.
- قلعة كبان.
- قلعة المنصورية.
وتشير الوثائق العثمانية إلى تخصيص نحو ستة آلاف جندي لحماية هذه المواقع، مع إعادة تنظيم إيرادات الإيالة وتحديد المبالغ التي ترسل إلى الخزانة المركزية.[١]
أهمية الأنهار في العمليات العسكرية
[عدل]تكشف الحملات عن الدور الكبير الذي لعبته جغرافية البصرة في العمليات العسكرية.
فقد كانت المنطقة تتكون من شبكة واسعة من الأنهار والجداول والجزر والمستنقعات، وكان التنقل النهري ضرورياً لنقل الجنود والمدافع والمؤن.
كما مثّلت القرنة نقطة تحكم رئيسية في الطريق النهري بين بغداد والبصرة، ولذلك ركزت الحملات العثمانية على السيطرة عليها قبل التقدم نحو المدينة.
وتذكر الوثائق الخاصة بالحملة استخدام عشرات القوارب والسفن لنقل الجنود والذخيرة، وإنفاق مبالغ كبيرة على استئجار السفن وصناعة قوارب جديدة.[١]
تمرد يحيى باشا
[عدل]لم تستقر الأوضاع طويلاً بعد انتهاء حكم آل أفراسياب.
حاولت الحكومة العثمانية تعزيز سيطرتها المباشرة على البصرة من خلال تعيين مسؤولين من المركز، من بينهم الدفتردار والقاضي والشهبندر، والإشراف بصورة أكبر على الشؤون المالية والتجارية.
اعتبر يحيى باشا هذه الإجراءات تقليصاً لسلطته، واندلعت خلافات بينه وبين المسؤولين العثمانيين، إضافة إلى مشاكل في دفع رواتب الإنكشارية.[١]
في 8 آذار 1669 غادر يحيى باشا البصرة واتجه إلى المناطق القريبة من الحدود الصفوية.
واختار أعيان وموظفو البصرة أبا بكر آغا لإدارة المدينة بصورة مؤقتة بانتظار قرار السلطان.[١]
سيطرة يحيى باشا على البصرة
[عدل]جمع يحيى باشا بعد خروجه قوات من جماعات عربية ومحلية، كما حصل على دعم من أطراف في المناطق الخاضعة للنفوذ الصفوي.
وتقدر إحدى الوثائق العثمانية حجم قواته بما بين 15 و20 ألف رجل، وهو رقم مصدره تقارير تلك المرحلة ولا يمكن التحقق منه بصورة مستقلة.[١]
ظهر يحيى باشا أمام البصرة في 18 نيسان 1669، وبعد نحو عشرة أيام من العمليات دخل المدينة في 29 نيسان.
وتشير التقارير العثمانية إلى مقتل عدد من الإنكشارية والسكان ونهب ممتلكات في المدينة بعد دخوله.[١]
وبعد السيطرة على البصرة اتجه يحيى باشا مجدداً نحو القرنة، التي بقيت تحت سيطرة القوات الموالية للسلطان، وفرض حصاراً عليها.
الحملة الثانية سنة 1669
[عدل]وصلت أخبار التطورات في البصرة إلى السلطان محمد الرابع خلال صيف 1669.
وفي 6 آب عُيّن مصطفى آغا والياً جديداً للبصرة، وكُلّف سلحدار قره مصطفى باشا بقيادة حملة ثانية لاستعادة المدينة.
وأُمرت قوات ولايات ديار بكر والموصل وشهرزور ومناطق أخرى بالانضمام إلى الحملة.[١]
تقدم قره مصطفى باشا من بغداد بسرعة بسبب خطورة الوضع في القرنة، ووصل إلى محيط القلعة في 6 أيلول 1669.
وعندما أدرك يحيى باشا وصول الجيش العثماني، رفع الحصار وانسحب باتجاه الأراضي الإيرانية من دون الدخول في معركة كبرى مع الجيش القادم.[١]
استعادة البصرة
[عدل]بعد رفع حصار القرنة أرسل قره مصطفى باشا القوات بقيادة الوالي الجديد مصطفى باشا إلى البصرة، ثم دخلت بقية القوات المدينة.
وفي 14 تشرين الأول 1669 عقد مجلس في البصرة بحضور قره مصطفى باشا والوالي الجديد وعدد من العسكريين والعلماء والأعيان، وسُجلت وثيقة رسمية تؤكد تسليم إدارة الإيالة إلى مصطفى باشا.[١]
وبذلك انتهت مرحلة الصراع العسكري الرئيسية التي بدأت سنة 1667، وترسخت عودة البصرة إلى الإدارة العثمانية المباشرة.
النتائج
[عدل]أدت حملات 1667–1669 إلى مجموعة من التحولات المهمة في تاريخ البصرة:
- إنهاء حكم آل أفراسياب الذي استمر منذ نهاية القرن السادس عشر.
- إنهاء نظام الإدارة الوراثية شبه المستقلة للإيالة.
- إعادة تعيين ولاة البصرة مباشرة من قبل الدولة العثمانية.
- تعزيز الحامية العسكرية في البصرة والقرنة.
- إعادة تنظيم مالية الإيالة ومواردها.
- تعزيز أهمية قلعة القرنة بوصفها مفتاحاً عسكرياً لحماية الطريق بين بغداد والبصرة.
- زيادة رقابة الحكومة المركزية على التجارة والإدارة والمالية في المدينة.
واستمرت عملية إعادة تنظيم الإيالة خلال السنوات التالية، إذ لم يكن فرض السيطرة العسكرية وحده كافياً لإنهاء التوترات المحلية والإقليمية المحيطة بالبصرة.[١]
البعد العثماني الصفوي
[عدل]وقعت الحملات بعد معاهدة زهاب سنة 1639 التي أنهت مرحلة طويلة من الحروب بين العثمانيين والصفويين.
وعلى الرغم من لجوء حسين باشا ثم يحيى باشا إلى مناطق مرتبطة بالدولة الصفوية والحصول على دعم من بعض القوى المحلية هناك، تجنبت الحكومة الصفوية الدخول في حرب مباشرة مع الدولة العثمانية بسبب البصرة.[٣]
وتعكس أحداث تلك الفترة الطبيعة الحدودية للبصرة، التي كانت تتأثر في وقت واحد بالنفوذ العثماني والصفوي والقوى القبلية والمحلية، إضافة إلى أهميتها التجارية في الخليج العربي.[٢]
الأهمية في تاريخ البصرة
[عدل]تمثل حملات 1667–1669 نقطة تحول في تاريخ البصرة خلال العصر العثماني، لأنها أنهت تجربة سياسية محلية استمرت نحو سبعين عاماً تحت حكم آل أفراسياب.
كما تكشف الحملات عن أهمية الجغرافية المائية للبصرة في تاريخها العسكري؛ فالسيطرة على الأنهار والقنوات والقرنة وطرق الملاحة كانت عنصراً حاسماً في السيطرة على المدينة نفسها.
وتوضح الأحداث كذلك أن البصرة في القرن السابع عشر لم تكن مجرد مدينة طرفية في الدولة العثمانية، بل كانت مركزاً تجارياً وسياسياً تتقاطع عنده مصالح الدولة العثمانية والدولة الصفوية والقبائل المحلية والقوى التجارية العاملة في الخليج العربي.[٢]
انظر أيضاً
[عدل]- آل أفراسياب
- البصرة في العهد العثماني
- القرنة
- شط العرب
- إيالة البصرة
- الدولة العثمانية
- الدولة الصفوية
- تاريخ البصرة
وصلات خارجية
[عدل]- دراسة سلحدار قره مصطفى باشا وحملات البصرة 1667–1671
- دراسة رودي ماثي عن البصرة بين العرب والعثمانيين والإيرانيين 1600–1700
- العلاقات العثمانية الصفوية والعراق – Encyclopaedia Iranica
المراجع
[عدل]- ↑ ١٫٠٠ ١٫٠١ ١٫٠٢ ١٫٠٣ ١٫٠٤ ١٫٠٥ ١٫٠٦ ١٫٠٧ ١٫٠٨ ١٫٠٩ ١٫١٠ ١٫١١ ١٫١٢ ١٫١٣ ١٫١٤ ١٫١٥ ١٫١٦ ١٫١٧ ١٫١٨ ١٫١٩ Emirhan Özçelik, Silahdar Kara Mustafa Paşa’nın Basra Seferleri ve Basra Eyaletinin İntizamı (1667-1671), Kadim, العدد 4، 2022، ص 1–25.
- ↑ ٢٫٠ ٢٫١ ٢٫٢ ٢٫٣ Rudi Matthee, Between Arabs, Turks and Iranians: The town of Basra, 1600–1700, Bulletin of the School of Oriental and African Studies, Vol. 69, No. 1, 2006, pp. 53–78.
- ↑ ٣٫٠ ٣٫١ ٣٫٢ Rudi Matthee, Iraq iv. Relations in the Safavid Period, Encyclopaedia Iranica، 2006.