مراسم عاشوراء في البصرة خلال القرن العشرين
| مراسم عاشوراء في البصرة خلال القرن العشرين | |
|---|---|
|
ظاهرة دينية واجتماعية في تاريخ البصرة
خور العشار في البصرة سنة 1908 تقريباً، في مشهد تاريخي للمنطقة التي ارتبطت لاحقاً بعدد من المجالس والمواكب الحسينية. | |
| المكان | البصرة، العشار ومناطق أخرى |
| المناسبة | عاشوراء وشهر محرم |
| أبرز المواقع | العشار، أم البروم، حسينيات ومواكب المدينة |
| من المؤسسات التاريخية | حسينية العطية، حسينية شباب العشار |
| الطابع | ديني، اجتماعي، ثقافي |
| الفترة الموثقة | القرن العشرون |
مراسم عاشوراء في البصرة خلال القرن العشرين هي مجموعة من الشعائر والممارسات الدينية والاجتماعية التي ارتبطت بإحياء ذكرى عاشوراء واستشهاد الإمام الحسين بن علي في مدينة البصرة، ولا سيما في مناطق العشار وأم البروم والأسواق القديمة.
ولم تقتصر مظاهر إحياء المناسبة في عدد من مراحل القرن العشرين على المجالس الدينية والمواكب، بل ارتبطت أيضاً بعادات اجتماعية شملت إعداد الطعام، وجمع التبرعات، وتنظيم مواكب أصحاب المهن والأسواق، إلى جانب صور من المشاركة أو التضامن الاجتماعي بين أفراد من مكونات دينية ومذهبية مختلفة في المدينة.[١]
العشار ومراسم عاشوراء
[عدل]شكّلت منطقة العشار، باعتبارها أحد أهم المراكز التجارية والاجتماعية في البصرة، مساحة رئيسية لإقامة عدد من المجالس والمواكب الحسينية خلال القرن العشرين.
وتشير شهادات منشورة عن تلك المرحلة إلى أن أسواق العشار كانت تشهد في أيام محرم فرش أجزاء من الأسواق بالحصران لإقامة مجالس القراءة، وأن بعض أصحاب المهن كانوا ينظمون مجالسهم أو مواكبهم تباعاً، ومن بينهم القصابون والبزازون والخياطون، بما يسمح باستمرار الحركة التجارية بالتوازي مع إقامة الشعائر.[١]
وكانت التبرعات لإقامة المجالس والمواكب تُجمع أحياناً من أصحاب المحال التجارية في الأسواق، وفق تقاليد اجتماعية محلية ارتبطت بالمناسبة.[١]
حسينية العطية
[عدل]تُعد حسينية العطية من الحسينيات التاريخية التي ارتبط اسمها بمنطقة العشار.
وتشير مصادر تراثية إلى أن الحاج موسى العطية شيّد في العشار سنة 1913 حسينية كبيرة، في منطقة كانت تضم عدداً من أسواق المدينة، ومنها أسواق القصابين والبزازين والعطارين وغيرها، وأن جزءاً من مبناها أزيل لاحقاً عند فتح شارع الكويت.[٢]
ويذكر الكاتب البصري عمار العطية في شهادته عن محرم في البصرة القديمة أن الحسينية كانت من أكبر حسينيات المدينة، وأنها كانت تستضيف عدداً من خطباء وقراء المنبر المعروفين في عصرها، كما كانت تقدم الطعام إلى الحاضرين في يوم العاشر من محرم.[١]
ويورد العطية أن الحسينية هُدمت سنة 1965 ضمن أعمال شق شارع الكويت، في حين تفيد المصادر التراثية بأن قسماً من المنشأة المرتبطة بها ظل قائماً بعد فتح الشارع.[١][٢]
حسينية شباب العشار
[عدل]ومن المؤسسات المرتبطة بتاريخ الشعائر الحسينية في المنطقة حسينية شباب العشار.
وبحسب مركز كربلاء للدراسات والبحوث، تأسست الحسينية سنة 1959 على نفقة الواقف الحاج السيد محمد شبر السيد عدنان السيد شبر، وأُوقف العقار ليكون مقراً لموكب شباب العشار ولاستقبال زائري الإمام الحسين، كما ساهم عدد من أهل الخير في نفقات بنائها.[٣]
وترتبط الحسينية بتاريخ موكب شباب العشار الذي كان واحداً من المواكب المعروفة في المنطقة خلال القرن العشرين.
أم البروم
[عدل]ارتبطت أم البروم بتاريخ الحياة العامة في العشار، وكانت من الساحات المركزية المعروفة في البصرة.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن المنطقة مرت بعدة تحولات؛ فقد كانت في مرحلة سابقة مقبرة، ثم تحولت إلى ساحة وحديقة ومركز لتجمع السكان والأسواق ووسائل النقل في قلب العشار.[٤]
كما ظلت أم البروم جزءاً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للبصريين خلال القرن العشرين.[٥]
أحمد الوائلي في أم البروم
[عدل]يروي عمار العطية أن الشيخ أحمد الوائلي ألقى سنة 1970 محاضرة دينية في ساحة أم البروم، ويذكر أن موضوعها تناول خلق الإنسان من التراب وعودته إليه.[١]
وتأتي هذه الرواية ضمن ذكريات العطية الشخصية عن المجالس والمحاضرات الدينية التي كان يحضرها في البصرة، ولذلك تُنسب إليه بوصفها شهادة شخصية منشورة.
الطعام والنذور والتبرعات
[عدل]ارتبط إحياء عاشوراء في البصرة بعادات تقديم الطعام إلى المشاركين والحاضرين.
ويذكر عمار العطية أن حسينية العطية كانت تقدم في يوم العاشر من محرم كميات كبيرة من الأرز واللحم إلى رواد المجلس، كما يشير إلى إعداد الهريسة في عدد من البيوت والعوائل البصرية خلال المناسبة.[١]
وكانت بعض أسواق العشار تعرف أيضاً أسلوب جمع التبرعات من أصحاب المحال لدعم المجالس والمواكب، من خلال صندوق يتنقل بين المتاجر ويتبرع فيه التجار كل بحسب قدرته.[١]
مشاركة المكونات الاجتماعية
[عدل]من الجوانب التي ترد في شهادات البصريين عن عاشوراء خلال القرن العشرين مشاركة أفراد وعائلات من خلفيات دينية ومذهبية متعددة في مظاهر الاحترام أو التضامن المرتبطة بالمناسبة.
وتشير شهادات منشورة إلى مشاركة بعض المسلمين السنة والمسيحيين والأرمن والصابئة المندائيين والهندوس في صور مختلفة من الحياة الاجتماعية المحيطة بالمجالس والمواكب.[١][٦]
المسلمون السنة
[عدل]يذكر عمار العطية أن بعض العائلات السنية البصرية كانت تراعي أيام عاشوراء، وأن بعض البيوت كانت تشارك في إعداد الطعام أو تقديم الدعم لإقامة مجالس التعزية.[١]
كما يورد اسم أسرة باش أعيان ضمن الأسر التي يقول إنها كانت تقدم دعماً مالياً لإقامة مجالس التعزية الحسينية في بعض ممتلكاتها.[١]
وتُعد أسرة باش أعيان من الأسر البصرية المعروفة تاريخياً، وكان لها حضور في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمدينة.
المسيحيون
[عدل]تتحدث شهادات عن البصرة القديمة عن مشاركة عدد من المسيحيين في أجواء عاشوراء، سواء من خلال حضور المجالس أو المساهمة في دعمها أو مراعاة المناسبة اجتماعياً.[٦]
ومن بين الأسماء التي ترد في هذه الروايات أفراد من أسرة حنا الشيخ، وهي إحدى الأسر التجارية المسيحية المعروفة في تاريخ البصرة، إضافة إلى الأخوين إدوار طليا وألبير طليا اللذين تذكر الروايات مشاركتهما في مواكب ومجالس العزاء في العشار.[٦]
وتشير مصادر أخرى إلى المكانة التجارية والاجتماعية لأسرة حنا الشيخ في البصرة، وارتباط اسمها بسوق معروف في العشار وبنشاط تجاري وبحري واسع.[٧]
الأرمن
[عدل]يذكر عمار العطية أمثلة لأفراد من الأرمن كانوا يشاركون في الحياة الاجتماعية المحيطة بمناسبة عاشوراء، ومنهم تاجر يعرف باسم أبو ميساك، الذي يصفه بأنه كان يتبرع لصندوق دعم المجالس الحسينية في أسواق العشار.[١]
كما يروي عن حضور نساء أرمنيات مجالس عزاء نسائية كانت تقام في البيوت البصرية.[١]
الهندوس
[عدل]كان للبصرة، بحكم موقعها التجاري والمينائي، وجود لجاليات وتجار أجانب، بينهم تجار من شبه القارة الهندية.
ويذكر العطية تاجراً هندوسياً معروفاً باسم نات، كان يعمل في تجارة الساعات في العشار، ويقول إنه وأبناءه كانوا يشاركون اجتماعياً في أجواء عاشوراء ويلبسون السواد خلال المناسبة.[١]
وتؤكد شهادة أخرى عن التعايش الاجتماعي في البصرة ورود اسم التاجر نات وابنيه صلاح وصباح ومشاركتهما في هذه الممارسات الاجتماعية.[٦]
الصابئة المندائيون
[عدل]تذكر شهادة عمار العطية أن أفراداً من الصابئة المندائيين كانوا يتعاملون باحترام وتأثر مع قراءة قصة مقتل الإمام الحسين خلال المجالس التي تقام في المدينة.[١]
المواكب المهنية
[عدل]من السمات التي ارتبطت بأسواق العشار وجود مجالس أو مواكب لأصحاب المهن.
وبحسب شهادة عمار العطية، كان القراء يتناوبون على القراءة في مجالس مرتبطة بمهن مختلفة، ومنها:
- القصابون.
- البزازون.
- الخياطون.
- أصحاب المهن والمتاجر الأخرى في أسواق العشار.
وكان تنظيم هذه المجالس بالتناوب يساعد على الجمع بين استمرار النشاط التجاري وإقامة مراسم العزاء.[١]
مواكب الزيارة إلى كربلاء
[عدل]ارتبطت البصرة كذلك بمواكب كانت تتجه إلى كربلاء للمشاركة في الزيارة وإحياء المناسبات الدينية.
ويذكر عمار العطية في ذكرياته موكب الأنصار، ويورد اسمي صمد المظفر وسلمان الرحماني ضمن الشخصيات المرتبطة بقيادته.[١]
وتحتاج التفاصيل المتعلقة بتاريخ هذا الموكب ومساره وأسماء القائمين عليه إلى المزيد من الوثائق والمصادر المستقلة لاستكمال توثيقها.
عاشوراء والذاكرة الاجتماعية للبصرة
[عدل]تعكس الكتابات التي تناولت عاشوراء في البصرة جانباً من الحياة الاجتماعية للمدينة خلال القرن العشرين، ولا سيما العلاقة بين الأسواق والمجالس الدينية والعائلات والتجار وأصحاب المهن المختلفة.
وتبرز في هذه الذكريات صورة مدينة متعددة المكونات كان أفرادها يتفاعلون اجتماعياً مع المناسبات الدينية للطوائف الأخرى بدرجات وصور مختلفة.
وقد وثق الكاتب البصري عمار العطية جانباً من هذه الذاكرة في مقالته «أيام المحرم في بصرة الأمس»، التي نُشرت في مجلة شواطئ الصادرة عن جامعة البصرة، مستنداً إلى ذكرياته الشخصية منذ طفولته وما شهده في العشار ومعقل ومناطق أخرى من المدينة.[١]
وتتقاطع بعض التفاصيل التي أوردها العطية مع شهادات أخرى منشورة عن التعايش الاجتماعي في البصرة القديمة، ولا سيما ما يتعلق بمشاركة بعض العائلات المسيحية والهندوسية وغيرها في الحياة الاجتماعية المحيطة بعاشوراء.[٦]
أهمية التوثيق
[عدل]تمثل الروايات الشفوية والذكريات الشخصية مصدراً مهماً لدراسة التاريخ الاجتماعي للبصرة، إلا أن التعامل الموسوعي معها يقتضي التمييز بين المعلومات المثبتة في الوثائق والمصادر التاريخية وبين الذكريات الشخصية التي تُنسب إلى أصحابها.
ولهذا فإن عدداً من التفاصيل المتعلقة بأسماء المشاركين في المواكب وأحجام المجالس وكميات الطعام وبعض العادات الاجتماعية الواردة في شهادات البصريين بحاجة إلى استكمالها بوثائق وصور وصحف قديمة وشهادات أخرى مستقلة.
انظر أيضاً
[عدل]- العشار
- أم البروم
- تاريخ البصرة
- حسينيات البصرة
- أحمد الوائلي
- المسيحيون في البصرة
- الصابئة المندائيون في البصرة
- أسواق البصرة القديمة
المصادر والمراجع
[عدل]- ↑ ١٫٠٠ ١٫٠١ ١٫٠٢ ١٫٠٣ ١٫٠٤ ١٫٠٥ ١٫٠٦ ١٫٠٧ ١٫٠٨ ١٫٠٩ ١٫١٠ ١٫١١ ١٫١٢ ١٫١٣ ١٫١٤ ١٫١٥ ١٫١٦ ١٫١٧ عمار العطية، «أيام المحرم في بصرة الأمس»، مجلة شواطئ، جامعة البصرة، العدد 11، ص 45 وما بعدها. نسخة إلكترونية.
- ↑ ٢٫٠ ٢٫١ منشورات تراث البصرة، مادة تتناول أسرة العطية وتاريخ ممتلكاتها في العشار، قسم التراث العام. نسخة إلكترونية.
- ↑ مركز كربلاء للدراسات والبحوث، «حسينية شباب العشار». الموقع الرسمي.
- ↑ مركز تراث البصرة، دراسة حول الأوضاع الإدارية والاجتماعية في البصرة، وانظر المادة الخاصة بساحة أم البروم. نسخة إلكترونية.
- ↑ «أم البروم.. ذاكرة البصرة كانت مقبرة ثم حديقة والآن مرأب»، إندبندنت عربية. تحقيق صحفي.
- ↑ ٦٫٠ ٦٫١ ٦٫٢ ٦٫٣ ٦٫٤ رزاق عبود، «صور من التسامح والتعايش الاجتماعي في بصرة الأمس»، الحوار المتمدن. النص المنشور.
- ↑ «حنا الشيخ»، بوابة البصرة الإلكترونية. النص المنشور.