شناشيل البصرة
| بيوت الشناشيل التراثية في محلة نظران بمدينة البصرة. تصوير: ديفيد ستانلي، Wikimedia Commons، ترخيص CC BY 2.0. | |
| الاسم | شناشيل البصرة |
|---|---|
| النوع | عمارة سكنية تراثية |
| الموقع | البصرة، العراق |
| أبرز مناطق الانتشار | البصرة القديمة، محلة الباشا، محلة نظران، ضفاف نهر العشار |
| أبرز الفترات التاريخية للمباني الباقية | العهد العثماني المتأخر والنصف الأول من القرن العشرين |
| مواد البناء | الطابوق، الجص، الأخشاب، الزجاج، والعناصر المعدنية |
| الخصائص | النوافذ الخشبية البارزة، الزخارف الهندسية والنباتية، الزجاج الملون، الأفنية الداخلية |
| الوظيفة | السكن والتهوية والتظليل وتوفير الخصوصية |
| القيمة التراثية | معمارية وتاريخية واجتماعية وثقافية |
شناشيل البصرة هي أحد أبرز مظاهر التراث المعماري في البصرة، وتتمثل في الواجهات والنوافذ الخشبية البارزة عن الطوابق العليا للمنازل التقليدية، والتي تتميز بزخارفها الهندسية والنباتية، وشبابيكها المتحركة، واستخدام الزجاج الملون والمشغولات الخشبية الدقيقة. وقد أصبحت الشناشيل من العناصر العمرانية المرتبطة بالهوية التاريخية لمدينة البصرة، ولا سيما أحيائها القديمة المطلة على نهر العشار والمجاري المائية المتفرعة منه.[١]
ولا تقتصر تسمية الشناشيل في الاستعمال المحلي على النوافذ وحدها؛ إذ تُستخدم كذلك للدلالة على البيوت التراثية التي تتخذ هذه الواجهات الخشبية عنصراً رئيسياً في تصميمها. وقد ارتبط انتشارها بالعوامل المناخية والاجتماعية والاقتصادية التي ميزت البصرة بوصفها مدينة تجارية وميناءً نهرياً وبحرياً، فضلاً عن توافر الأخشاب المستوردة والحرفيين المتخصصين في النجارة والزخرفة.
وتؤدي الشناشيل وظائف متعددة، تشمل تحسين التهوية الطبيعية، وتقليل التعرض المباشر لأشعة الشمس، وزيادة المساحة المستعملة في الطوابق العليا، وإتاحة رؤية الشارع من داخل المنزل مع المحافظة على خصوصية السكان. كما تسهم بروزاتها المتقابلة فوق الأزقة الضيقة في توفير الظل وتشكيل مشهد عمراني متصل.[٢]
التسمية وأصل المصطلح
تُعد كلمة شناشيل من المصطلحات الشائعة في اللهجة العراقية، وخصوصاً في البصرة، للإشارة إلى الواجهات الخشبية البارزة عن الأبنية التقليدية. ويُستخدم مصطلح المشربية في مناطق عربية أخرى للدلالة على عناصر معمارية قريبة منها، في حين عُرفت بعض النوافذ البارزة تاريخياً باسم الروشن أو الرواشين.
ولا يوجد اتفاق حاسم بين الباحثين بشأن الأصل اللغوي لكلمة شناشيل. وتذكر بعض الدراسات أنها قد تكون ذات أصل فارسي، وتربطها بتعبيرات تشير إلى الجلوس أو الموضع المرتفع، بينما تطرح تفسيرات أخرى أصولاً لغوية مختلفة، من بينها أصول مرتبطة باللغات العراقية القديمة أو انتقال المصطلح عبر لغات المنطقة.
وقد استعرض الباحث فراس سامي عبد العزيز القطراني هذه التفسيرات في دراسته المنشورة سنة 2020، مشيراً إلى تعدد الآراء المتعلقة بأصل الكلمة، من دون وجود اتفاق لغوي نهائي عليها. ولذلك ينبغي التمييز بين تاريخ المصطلح وتاريخ العنصر المعماري نفسه، إذ قد يكون استعمال الواجهات والنوافذ البارزة أقدم من شيوع تسميتها الحالية.[١]
التاريخ والنشأة
الجذور المعمارية
ترتبط الشناشيل بتقاليد قديمة في العمارة العراقية والإسلامية، تقوم على استخدام النوافذ المرتفعة والمشربيات والواجهات الخشبية لتحقيق أغراض مناخية واجتماعية ووظيفية.
وتشير الدراسات المعمارية إلى وجود عناصر مشابهة للنوافذ المرتفعة والمحمية بحواجز في نماذج فنية وآثارية من حضارات بلاد الرافدين القديمة، فضلاً عن استعمال الرواشين في فترات إسلامية لاحقة. غير أن التشابه بين هذه العناصر لا يكفي وحده لإثبات تسلسل معماري مباشر يصلها بالمباني البصرية الباقية حتى العصر الحديث.[١]
وقد شهدت العمارة السكنية العراقية خلال العصور الإسلامية والعثمانية تطوراً في معالجة الواجهات والأفنية الداخلية، وبرز استخدام الخشب في الطوابق العليا بوصفه وسيلة لتخفيف وزن البناء وإيجاد فتحات مناسبة للتهوية والإضاءة.
الشناشيل في العهد العثماني
يرجع معظم ما بقي من بيوت الشناشيل التاريخية في مدينة البصرة إلى العهد العثماني المتأخر وما تلاه من العقود الأولى للقرن العشرين.
وأظهرت دراسة جغرافية عن واقع البيوت التراثية في البصرة أن انتشار هذا النمط السكني ارتبط بصورة خاصة بالقرن التاسع عشر، حين أصبحت الشناشيل جزءاً من النسيج العمراني لمنازل التجار والأعيان والأسر الميسورة، ولا سيما في المحلات السكنية القديمة.[٣]
وشهدت البصرة القديمة في تلك المرحلة نمواً عمرانياً ارتبط بالنشاط التجاري والإداري، وبوجود عدد من المباني الحكومية والدور الكبيرة ومساكن التجار. وبرزت الشناشيل على ضفاف نهر العشار وفي الأزقة المجاورة له، حيث ساعد اتصال المنطقة بالطرق المائية على انتقال مواد البناء والبضائع.
كما كان للتجارة الخارجية دور في توفير الأخشاب المستعملة في البناء، وخصوصاً الأخشاب المستوردة من الهند ومناطق آسيوية أخرى، إلى جانب مساهمة الحرفيين والنجارين في تطوير أساليب صناعة الواجهات الخشبية والزخارف.
خلال القرن العشرين
استمر وجود بيوت الشناشيل في النسيج العمراني للبصرة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وظلت واجهاتها الخشبية جزءاً من المشهد اليومي للأحياء القديمة.
ومع تطور المدينة واتساعها وظهور مواد وأساليب بناء حديثة، بدأت العمارة السكنية تتحول تدريجياً نحو استعمال الخرسانة المسلحة والتصاميم الحديثة، وتراجع إنشاء المنازل الجديدة التي تعتمد على الشناشيل التقليدية.
وشهدت الأحياء القديمة تحولات اجتماعية واقتصادية، شملت انتقال بعض الأسر إلى مناطق سكنية أحدث، وتغير أنماط استخدام المباني، وتراجع أعمال الصيانة الدورية، وهو ما أسهم في تدهور أجزاء من التراث العمراني للمدينة.[٣]
التوزيع الجغرافي
تتركز أبرز تجمعات الشناشيل التاريخية في البصرة القديمة، ولا سيما في المحلات والأزقة المتصلة بـنهر العشار.
وتشير الدراسات الميدانية إلى أن ضفتي النهر كانتا من المواقع المهمة لانتشار بيوت الشناشيل، حيث نشأت واجهات سكنية تطل على المجاري المائية والشوارع الضيقة، وتعكس العلاقة بين العمران التقليدي والحركة التجارية والنهرية في المدينة.[١]
محلة الباشا
تُعد محلة الباشا من أبرز المواقع التاريخية التي ما تزال تحتفظ بنماذج من بيوت الشناشيل.
وقد ارتبطت المحلة خلال العهد العثماني بمساكن عدد من المسؤولين والأعيان والتجار، واحتوت على مبانٍ تراثية ذات واجهات خشبية مزخرفة وأفنية داخلية.
وتتميز بيوت المحلة بتنوع تصميماتها، إذ تضم واجهات خشبية متصلة ونوافذ مقوسة وشرفات بارزة، إلى جانب الزخارف التي تعكس مستوى المهارة الحرفية الذي كان سائداً عند إنشائها.
محلة نظران
تقع محلة نظران ضمن النسيج التاريخي للبصرة القديمة، وترتبط بالمناطق السكنية المطلة على نهر العشار.
وتحتفظ المحلة بنماذج من البيوت التقليدية التي تتكون من طوابق أرضية مشيدة بالطابوق وطوابق عليا ذات عناصر خشبية بارزة.
وتُعد نظران من المناطق التي تناولتها مشروعات صيانة وترميم البيوت التراثية، نظراً إلى أهميتها ضمن المشهد العمراني التاريخي للمدينة.[٤]
العشار ومناطق أخرى
ظهرت الشناشيل أيضاً في أجزاء من منطقة العشار، ولا سيما المباني المرتبطة بالواجهات النهرية والمناطق التجارية القديمة.
ويذكر ديوان محافظة البصرة وجود نماذج من العمارة ذات الشناشيل في مناطق أخرى، منها الزبير وأبو الخصيب، مع تفاوت كثافتها وخصائصها المعمارية بين منطقة وأخرى.[٢]
الخصائص المعمارية
الواجهات الخشبية البارزة
تُعد الواجهة الخشبية البارزة السمة الأوضح للشناشيل البصرية. وهي جزء يمتد خارج مستوى جدار الطابق العلوي، مستنداً إلى عناصر إنشائية خشبية أو إلى ترتيبات إنشائية أخرى في بعض المباني الأحدث.
ووفقاً لدراسة القطراني، يبلغ بروز بعض النماذج نحو 50–70 سنتيمتراً، مع اختلاف الأبعاد تبعاً لتصميم المبنى وعرض الزقاق والمرحلة التي شُيد فيها.[١]
ويؤدي هذا البروز إلى زيادة المساحة الداخلية للطابق العلوي، ويسمح بوضع نوافذ متعددة على امتداد الواجهة، مما يحسن دخول الهواء والضوء إلى الغرف.
وقد تكون الشناشيل ممتدة على طول واجهة المنزل أو مقتصرة على جزء منها، كما تتفاوت في ارتفاعها وعدد فتحاتها وتفاصيلها الزخرفية.
مواد البناء
اعتمد بناء بيوت الشناشيل على مجموعة من المواد المحلية والمستوردة، أهمها:
- الطابوق: استُخدم في تشييد الجدران الحاملة والأسس والواجهات الأرضية.
- الجص والملاط الجيري: استُعملا في ربط الطابوق وإكساء أجزاء من المبنى.
- الأخشاب: استُخدمت في صناعة الشناشيل والنوافذ والأبواب والأعمدة والسقوف.
- الزجاج: استُعمل في النوافذ، بما في ذلك الزجاج الملون في بعض البيوت.
- الحديد: استُخدم في المفصلات والتثبيت وبعض العناصر الإنشائية، ولا سيما في المباني التي شهدت تطويراً أو ترميماً.
وكان خشب الصاج، المعروف بخشب التيك، من المواد المهمة في صناعة الشناشيل، نظراً إلى متانته ومقاومته النسبية للرطوبة. كما استُخدمت أنواع أخرى من الأخشاب بحسب الغرض الإنشائي والتكلفة والتوافر.[١]
وساعد استعمال الأخشاب الأخف وزناً في الأجزاء العلوية على تقليل الأحمال مقارنة بالبناء بالطابوق وحده، وهو أمر يتناسب مع طبيعة التربة الرسوبية الرخوة في أجزاء من مدينة البصرة.
النوافذ والزخارف
تتميز شناشيل البصرة بالنوافذ المرتفعة والمتكررة، التي تُحاط بإطارات خشبية مزخرفة، وقد تتخذ فتحاتها أشكالاً مستطيلة أو مقوسة.
وتضم بعض النماذج زخارف هندسية ونباتية محفورة أو بارزة، إلى جانب قطع خشبية مشغولة على هيئة شبكات تسمح بالرؤية وحركة الهواء.
وكانت النوافذ المنزلقة رأسياً من الأنماط المستخدمة في هذه المباني، حيث تفتح بعض أجزائها برفعها إلى الأعلى أو إنزالها، مع وجود عناصر تثبيت تساعد على إبقائها مفتوحة.
واستخدم الزجاج الملون في عدد من بيوت الشناشيل، مما أضاف إلى الغرف تأثيرات ضوئية وزخرفية، إلى جانب الوظيفة الأساسية للنوافذ في الإضاءة والتهوية.[١]
الأفنية الداخلية
لم تكن الشناشيل عنصراً منفصلاً عن تنظيم البيت، بل جاءت ضمن نظام معماري متكامل يعتمد في كثير من الحالات على الفناء الداخلي، الذي يُسمى محلياً الحوش.
والحوش مساحة مكشوفة تتوسط البيت، وتحيط بها الغرف والممرات أو الأروقة. وقد تكون مربعة أو مستطيلة، وتختلف مساحتها تبعاً لحجم المنزل.
وكانت أرضيات بعض الأفنية تُرصف بالطابوق المعروف محلياً باسم الطابوق الفرشي، بينما استُخدمت في بعض البيوت الواسعة أرضيات ذات بلاطات زخرفية.
ويؤدي الفناء الداخلي دوراً مهماً في توزيع الضوء والهواء على الغرف، كما يوفر مساحة للأنشطة المنزلية اليومية.
المداخل والأروقة
تتميز كثير من بيوت الشناشيل بمداخل خشبية كبيرة، تضم مصراعين أو أكثر، وقد زُين بعضها بزخارف هندسية ومطارق معدنية.
ويؤدي المدخل في بعض المنازل إلى ممر منكسر أو غير مستقيم يصل إلى الفناء الداخلي، وهي معالجة معمارية تساعد على عدم انكشاف أجزاء المنزل مباشرة عند فتح الباب الخارجي.
وتضم بعض البيوت أروقة داخلية وأعمدة خشبية ذات تيجان زخرفية، إضافة إلى غرف استقبال وإيوانات وسلالم خشبية أو مبنية بالطابوق.
وتختلف هذه العناصر بحسب مساحة المنزل وطبيعة استعماله والمكانة الاقتصادية والاجتماعية لأصحابه.[١]
الأنماط المعمارية للشناشيل
صنفت دراسة القطراني شناشيل البصرة إلى خمسة أنماط رئيسية بحسب خصائص الواجهة وطريقة بروزها وشكلها المعماري.[١]
الشناشيل المغلقة
تتكون من واجهة خشبية بارزة مغلقة نسبياً، تتخللها نوافذ متعددة، وتُعد من الأنماط الشائعة في البيوت التراثية.
وتوفر مساحة داخلية متصلة بالغرف العليا، مع إمكانية فتح النوافذ للتهوية والإضاءة.
الشناشيل ذات الشرفات
تتضمن شرفة أو ممراً بارزاً يمتد أمام الواجهة الخشبية، ويطل على الشارع أو الزقاق.
وقد تتنوع الشرفة في طولها وعرضها وطريقة اتصالها ببقية عناصر الواجهة.
الشناشيل المتدرجة
تتميز ببروزات متعاقبة تتخذ هيئة متكسرة أو متدرجة، تشبه في بعض أشكالها أسنان المنشار.
ويرتبط هذا النمط بمحاولة معالجة عدم انتظام حدود الشوارع والأزقة، مع تحقيق تنظيم أفضل لمساحات الطوابق العليا.
شناشيل أبو الشمسية
يُعرف هذا النمط محلياً باسم أبو الشمسية، ويتميز بوجود مظلة أو غطاء خشبي بارز في أعلاه.
وتساعد هذه المظلة على حماية أجزاء الواجهة والزخارف الخشبية من التعرض المباشر لأشعة الشمس والأمطار.
الشناشيل المختلطة
يجمع هذا النمط بين أكثر من أسلوب معماري، مثل الواجهة المغلقة والشرفة البارزة والمظلة العلوية.
وقد تتوسط بعض واجهاته شرفة نصف دائرية أو عنصر خشبي بارز يختلف في شكله عن بقية النوافذ.
الوظائف المناخية والبيئية
نشأت الشناشيل في بيئة تتميز بصيف طويل وحار ورطوبة مرتفعة نسبياً، ولذلك شكلت جزءاً من أساليب التكيف المعماري مع المناخ المحلي.
ومن أهم وظائفها المناخية:
تحسين التهوية
يساعد تعدد النوافذ واتساع الفتحات في زيادة حركة الهواء بين داخل الغرف وخارجها.
وتسمح بعض التكوينات الخشبية بمرور الهواء حتى مع وجود حواجز تقلل انكشاف الغرف على الشارع.
التظليل
تسهم البروزات العلوية في تقليل تعرض أجزاء من واجهات المباني وأرضيات الأزقة لأشعة الشمس المباشرة.
وعندما تتقابل الشناشيل على جانبي زقاق ضيق، فإن امتدادها فوق الشارع يزيد مساحة الظل في أوقات معينة من النهار.
تنظيم الإضاءة
تسمح النوافذ المتعددة بدخول الضوء الطبيعي، بينما تساعد الأجزاء الخشبية والزجاجية على الحد من شدته وتوزيعه داخل الغرف.
الاستجابة لطبيعة التربة
أسهم الاستخدام الواسع للأخشاب في تقليل وزن بعض أجزاء البناء العلوية مقارنة بإنشائها بالكامل من مواد البناء الثقيلة.
وترتبط أهمية هذه المعالجة بطبيعة التربة الرسوبية في البصرة وارتفاع مستويات المياه الجوفية في أجزاء منها.[١]
الوظائف الاجتماعية والثقافية
ارتبطت الشناشيل بالعادات الاجتماعية السائدة في المدينة، وبخاصة مفهوم الخصوصية داخل المنزل.
فقد سمحت النوافذ الخشبية المشبكة للسكان بمشاهدة الشارع والحياة اليومية خارجه من دون انكشاف الغرف بصورة مباشرة للمارة أو لسكان المنازل المقابلة.
كما أتاحت الواجهات البارزة اتصالاً بصرياً بالبيئة المحيطة، مع المحافظة على الفصل النسبي بين المجال السكني الخاص والشارع العام.
وعكست الشناشيل أيضاً المكانة الاقتصادية والاجتماعية لبعض الأسر، إذ اختلفت درجة تعقيد زخارفها ومساحاتها ونوعية أخشابها بين المنازل، وكانت البيوت الكبيرة تحتوي أحياناً على واجهات أكثر اتساعاً وتفصيلاً.[٢]
القيمة الفنية والحرفية
تمثل الشناشيل جانباً من تاريخ الحرف التقليدية في البصرة، ولا سيما النجارة والنحت الخشبي وصناعة الأبواب والنوافذ والزجاج المزخرف.
واحتاج تنفيذها إلى تعاون بين البنّائين والنجارين والحرفيين، فضلاً عن معرفة بخصائص الأخشاب وطرق تثبيتها وحمايتها.
ومن أبرز مظاهر قيمتها الفنية:
- الزخارف الهندسية والنباتية المتكررة.
- التناسب بين الأقواس والنوافذ والأعمدة الخشبية.
- تنوع الأشكال المستخدمة في الواجهات البارزة.
- الجمع بين العناصر الإنشائية والتكوينات الزخرفية.
- توظيف المواد المحلية والمستوردة في بناء متلائم مع البيئة.
وتكتسب هذه الحرف أهمية إضافية في مشروعات الترميم، إذ يتطلب إصلاح العناصر الأصلية معرفة بطرق العمل والمواد التي كانت مستخدمة عند إنشاء المباني.
الشناشيل في الأدب والفنون
احتلت الشناشيل مكانة في الذاكرة الثقافية لمدينة البصرة، وانتقلت من كونها عنصراً معمارياً إلى صورة أدبية ترتبط بالمدينة والطفولة والذاكرة والحياة الاجتماعية.
ومن أبرز الأمثلة حضورها في شعر بدر شاكر السياب، ولا سيما قصيدته شناشيل ابنة الجلبي، التي حمل أحد دواوينه اسمها.
واستحضر السياب الشناشيل ضمن صور الذاكرة والحنين إلى الماضي، وأصبحت هذه الصورة المعمارية جزءاً من البناء الرمزي للقصيدة.
وقد تناولت دراسات نقدية وأكاديمية هذا النص، ومنها حلقة بحثية نظمها مركز دراسات البصرة والخليج العربي في جامعة البصرة بعنوان «قصيدة شناشيل ابنة الجلبي للشاعر بدر شاكر السياب: دراسة أسلوبية»، تناولت خصائصه الفنية والجمالية.[٥]
وتظهر قيمة الشناشيل الثقافية أيضاً في ارتباطها بالصور التاريخية للمدينة وأعمال التوثيق المعماري والفوتوغرافي التي تسجل تحولات أحيائها القديمة.
التدهور والتهديدات
تعرضت أعداد من بيوت الشناشيل في البصرة للتدهور نتيجة عوامل طبيعية وبشرية متراكمة.
وتشمل أبرز المشكلات التي تناولتها الدراسات:
- تقادم الأخشاب وتلف بعض العناصر الإنشائية والزخرفية.
- تأثير الرطوبة والمياه الجوفية وتسربات المياه.
- ضعف الصيانة الدورية وارتفاع تكاليف الترميم.
- تغير استعمالات المباني وانتقال بعض سكانها الأصليين.
- التعديلات العمرانية غير الملائمة للخصائص التراثية.
- التوسع العمراني وتغير شبكة الشوارع والأزقة القديمة.
- فقدان بعض الحرف والمهارات التقليدية اللازمة للصيانة الدقيقة.
وأشارت دراسة «واقع البيوت التراثية في مدينة البصرة وسبل الحفاظ عليها» إلى بقاء 97 بيتاً تراثياً سنة 2020 ضمن واقع البيوت التي تناولها البحث، بعد تراجع أعدادها خلال العقود السابقة.
ويُعد هذا الرقم مؤشراً تاريخياً مرتبطاً بسنة الدراسة، وليس إحصاءً محدثاً لعدد جميع بيوت الشناشيل القائمة في البصرة حالياً.[٣]
الحماية ومشروعات الترميم
الجهود المحلية
شهدت البصرة محاولات متعددة للحفاظ على المباني التراثية، شملت التوثيق والدراسات الميدانية ومقترحات إعادة التأهيل.
وأشار تقرير نشره ديوان محافظة البصرة سنة 2019 إلى تدهور بعض بيوت الشناشيل والحاجة إلى توفير الموارد المالية والفنية لصيانتها، مع التأكيد على أهميتها التاريخية والسياحية.[٢]
وتتطلب أعمال الحفاظ على هذه المباني مراعاة مواد البناء الأصلية وأساليبها الإنشائية، وتوثيق الزخارف والتفاصيل التي قد تتضرر أو تُفقد عند إجراء إصلاحات غير متخصصة.
مشروع إحياء مدينة البصرة القديمة
أطلقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي والجهات العراقية، برنامجاً لإحياء المناطق التاريخية في مدينتي الموصل والبصرة.
وشمل البرنامج أعمال صيانة وإعادة تأهيل للمباني التراثية في البصرة القديمة، إلى جانب تحسين أجزاء من مجرى نهر العشار والبنية العمرانية المحيطة به.
وفي كانون الثاني 2021، أعلنت اليونسكو عن تقدم العمل في تحديد أولويات ترميم بيوت الشناشيل ونهر العشار، كما دعمت برنامجاً للتدريب المهني في النجارة المرتبطة بالشناشيل بهدف المحافظة على المهارات الحرفية اللازمة للترميم.[٦]
تأهيل أحد عشر بيتاً تراثياً
أعلنت اليونسكو والاتحاد الأوروبي في بيان صدر بتاريخ 30 تشرين الثاني 2023 إنجاز إعادة تأهيل 11 منزلاً تراثياً على طراز الشناشيل في البصرة القديمة، تعود ملكيتها إلى محافظة البصرة.
وذكر البيان أن ثلاثة من هذه المباني الكبيرة تستخدمها جهات ثقافية ورسمية، هي:
- قصر الثقافة.
- رابطة الكتاب.
- رابطة الفنانين التشكيليين.
وشملت الأعمال المرتبطة بالمشروع إعادة بناء جزء من مجرى نهر العشار في المدينة القديمة، وتأهيل ثمانية جسور.
وأعلنت اليونسكو كذلك عن مرحلة جديدة من المشروع تمتد من سنة 2023 إلى سنة 2027، وتركز على تنمية مهارات العاملين في الحفظ المعماري، والتدريب الفني، وتوفير فرص العمل المرتبطة بصيانة المباني التراثية.[٧]
ترميم مبنى مركز المخطوطات والتراث البصري
يُعد مبنى مركز المخطوطات والتراث البصري في محلة الباشا أحد أمثلة إعادة استعمال بيوت الشناشيل القديمة لأغراض ثقافية ومعرفية.
وفي تموز 2024، أعلن المركز تنفيذ أعمال صيانة بدعم من اليونسكو، شملت تدعيم سقف الباحة الداخلية واستبدال بلاطات أحد السلالم، وذلك ضمن الجهود المرتبطة بمشروع إحياء مدينة البصرة القديمة.[٤]
ويمثل استخدام هذه المباني مقارَّ للمؤسسات الثقافية أحد أنماط الحفاظ على التراث المعماري، من خلال استمرار الانتفاع بالمبنى مع صيانة عناصره التاريخية.
الأهمية التاريخية والعمرانية
تنبع أهمية شناشيل البصرة من كونها سجلاً معمارياً يعكس جوانب من تاريخ المدينة وتطورها الاقتصادي والاجتماعي.
فهي توثق أساليب البناء التي استخدمها سكان البصرة للتكيف مع المناخ والتربة، وتكشف عن مهارات الحرفيين وعلاقات المدينة التجارية بالمناطق التي استوردت منها الأخشاب ومواد البناء.
كما تساعد دراسة الشناشيل على فهم التنظيم الداخلي للبيت البصري التقليدي، والعلاقة بين الفناء والغرف والواجهات الخارجية، وطبيعة الحياة الاجتماعية في المحلات القديمة.
وتتيح المقارنة بين شناشيل البصرة ونظيراتها في مدن عراقية أخرى دراسة الاختلافات المحلية في مواد البناء والتصميم والوظيفة، مع وجود عناصر مشتركة ضمن تقاليد العمارة العراقية.
وتُعد المباني الباقية مصدراً مهماً لبحوث تاريخ العمارة، والجغرافيا الحضرية، والحفاظ على التراث، والتوثيق الفوتوغرافي، ودراسات التحول العمراني في المدينة.[١]
متطلبات الحفاظ على الشناشيل
تؤكد الدراسات المتخصصة أهمية التعامل مع بيوت الشناشيل بوصفها جزءاً من نسيج عمراني متكامل، وليس باعتبارها واجهات خشبية منفردة.
وتشمل متطلبات الحفاظ عليها توثيق المباني الباقية، ودراسة حالتها الإنشائية، ومعالجة مصادر الرطوبة والتلف، واستخدام مواد وتقنيات ترميم متوافقة مع المباني الأصلية.
كما تبرز أهمية المحافظة على الحرف التقليدية المرتبطة بالنجارة والزخرفة، ووضع برامج للصيانة الدورية، وتنظيم إعادة استخدام المباني بما لا يؤدي إلى فقدان خصائصها المعمارية.
ويُعد التنسيق بين الجهات الحكومية والجامعات والمؤسسات التراثية وسكان المناطق القديمة عنصراً مهماً في مشروعات الحماية المستدامة، خصوصاً مع استمرار تعرض المباني القديمة لضغوط عمرانية وبيئية.[٣][٧]
انظر أيضًا
- البصرة
- البصرة القديمة
- محلة الباشا
- محلة نظران
- نهر العشار
- شط العرب
- العشار
- أبو الخصيب
- الزبير
- مركز المخطوطات والتراث البصري
- بدر شاكر السياب
- أسواق البصرة القديمة
المراجع
- ↑ ١٫٠٠ ١٫٠١ ١٫٠٢ ١٫٠٣ ١٫٠٤ ١٫٠٥ ١٫٠٦ ١٫٠٧ ١٫٠٨ ١٫٠٩ ١٫١٠ فراس سامي عبد العزيز القطراني، «البعد التاريخي والخصائص العمرانية لمباني الشناشيل التراثية في مدينة البصرة القديمة (العراق)»، مجلة أبحاث البصرة للعلوم الإنسانية، جامعة البصرة، المجلد 45، العدد 2، 2020، ص 54–83.
- ↑ ٢٫٠ ٢٫١ ٢٫٢ ٢٫٣ ديوان محافظة البصرة، «الشناشيل ذاكرة شاخصة... وتراث غربت عنه الشمس»، تحقيق عادل شهاب الأسدي، 8 آذار 2019.
- ↑ ٣٫٠ ٣٫١ ٣٫٢ ٣٫٣ مرتضى مظفر سهر الكعبي، وقاسم مطر عبد الخالدي، وسلمان مغامس عبود، «واقع البيوت التراثية في مدينة البصرة وسبل الحفاظ عليها»، مجلة آداب الكوفة، العدد 53، ضمن إصدار 2022، نُشر إلكترونياً في 30 أيلول 2023. DOI: 10.36317/kaj/2022/v1.i53.13497.
- ↑ ٤٫٠ ٤٫١ مركز المخطوطات والتراث البصري، «منظمة اليونسكو ترمم جزءاً من مبنى مركز المخطوطات والتراث البصري»، 4 تموز 2024.
- ↑ جامعة البصرة، مركز دراسات البصرة والخليج العربي، «قصيدة شناشيل ابنة الجلبي للشاعر بدر شاكر السياب: دراسة أسلوبية»، خبر عن حلقة نقاشية قدمها الباحث قاسم محمد سلمان.
- ↑ اليونسكو، «زيارة ممثل اليونسكو ووزير الثقافة مواقع مشروع إحياء مدينة البصرة القديمة»، 27 كانون الثاني 2021.
- ↑ ٧٫٠ ٧٫١ الأمم المتحدة في العراق، «اليونسكو والاتحاد الأوروبي يوسعان شراكتهما للتدريب وخلق فرص العمل في قطاع التراث الثقافي»، بيان صحفي، 30 تشرين الثاني 2023.