انتقل إلى المحتوى

جسر الغربان

من موسوعة بصراوي

جسر الغربان، المعروف أيضاً باسم جسر بغداد، هو جسر تاريخي يقع على نهر العشار في مدينة البصرة جنوبي العراق، ويربط بين محلة الباشا ومحلة نظران في منطقة البصرة القديمة. ويُعد من المعابر التي ارتبطت بتاريخ المدينة العمراني وشبكة طرقها المحلية، كما حافظ اسمه الشعبي على حضوره في الكتابات التاريخية وذكريات سكان البصرة.[١][٢]

الموقع الجغرافي

[عدل]

يقع جسر الغربان على نهر العشار ضمن النطاق التاريخي لمدينة البصرة القديمة، ويصل بين محلة الباشا ومحلة نظران، وهما من المحلات المرتبطة بتاريخ البصرة الاجتماعي والعمراني.

ويمثل الجسر أحد المداخل المعروفة إلى محلة نظران، الواقعة بالقرب من مجموعة من البيوت التراثية القديمة التي اشتهرت بشرفاتها الخشبية المعروفة باسم الشناشيل.[١][٢]

وترتبط المنطقة المحيطة بالجسر بعدد من المعالم التاريخية، منها جامع ذي المنارتين، المعروف شعبياً باسم جامع أبو منارتين، فضلاً عن المباني السكنية والتعليمية التي شهدتها محلات البصرة القديمة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

ويذكر الكاتب حسين العطية أن المبنى الواقع مقابل الجسر كان تشغله مدرسة النبراس الابتدائية سنة 1960، وقبل ذلك كان جزءاً من دار سكن ومكتب لعائلة السلمان المناصير.[٣]

التاريخ

[عدل]

الإشارات التاريخية المبكرة

[عدل]

يرد اسم «جسر الغربان» في كتاب الرحالة كارستن نيبور، رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها، ضمن قائمة أسماء مواضع وأحياء مدينة البصرة التي سجلها أثناء رحلته في ستينيات القرن الثامن عشر.

وقد أورد نيبور الاسم إلى جانب تسميات أخرى من البصرة، من بينها حوش الباشا ومحلة نظران والمجموعة وجسر العبيد.[٤]

وتُعد هذه الإشارة دليلاً على قِدم استعمال اسم جسر الغربان بوصفه اسماً لموضع معروف في البصرة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد تاريخ بناء هيكل الجسر الذي تناولته المصادر المتأخرة، أو إثبات استمرار المنشأة نفسها دون تغيير.

جسر الغربان في سجلات الأوقاف

[عدل]

تذكر دراسة تاريخية بعنوان «ما أوردته الوثائق العثمانية عن أوقاف البصرة في القرن التاسع عشر»، للباحث وميض سرحان ذياب، وجود مورد وقفي باسم «وقف جسر الغربان» ضمن الموارد التي كانت تُخصص للمدرسة الرحمانية في البصرة.

وقد استندت الدراسة إلى سجلات الأوقاف العثمانية، ومنها الدفتر ذي الرمز BOA.EV.d.15131، المحفوظ ضمن وثائق الأرشيف العثماني.

وتُظهر هذه الإشارة حضور اسم جسر الغربان في السجلات المتعلقة بالأوقاف المحلية، من دون أن تحدد طبيعة الوقف المرتبط به أو تاريخ إنشاء الجسر.[٥]

تاريخ البناء في المصادر الحديثة

[عدل]

تختلف المصادر الحديثة في تحديد تاريخ إنشاء جسر الغربان أو افتتاحه.

ففي دراسة أكاديمية نُشرت سنة 2019، بعنوان Bridges as Part of City Symbols، ينقل الباحثان أرمين سركيس خسروف ماركاريان وخليل إبراهيم علي عن المؤرخ حامد البازي أن الجسر شُيد سنة 1895، وكان يمثل مدخلاً إلى محلة نظران.

وتنقل الدراسة نفسها عن السامرائي أن الجسر افتُتح سنة 1885، وأنه كان يربط محلة الباشا بمحلة نظران، ضمن مسار يمر بعدد من المباني والمؤسسات المحلية، ومنها بيت المحامي وليم مايكل ومتوسطة غازي ومبرة حامد بك النقيب، ويتجه شمالاً نحو معمل النقيب للمسامير ومدرسة الرجاء العالي ومحطة الحمولات.[١]

كما يذكر تقرير نشرته صحيفة اندبندنت عربية سنة 2024 أن الجسر شُيد سنة 1885.[٢]

وبالنظر إلى وجود إشارات أقدم لاسم جسر الغربان، لا يمكن الجزم بأن التاريخين المذكورين يمثلان بداية ظهور هذا المعبر، فقد يتعلق أحدهما بإنشاء أو تجديد لاحق. وتبقى هذه المسألة بحاجة إلى وثائق إنشائية أو خرائط تاريخية أكثر تحديداً.

أصل التسمية

[عدل]

توجد عدة روايات بشأن أصل تسمية الجسر، ولا تتفق المصادر التاريخية والمحلية على تفسير واحد نهائي.

رواية الغربان ومخازن الحبوب

[عدل]

تذهب إحدى الروايات المحلية إلى أن الجسر اكتسب اسمه من كثرة طيور الغربان التي كانت تتجمع بالقرب من مخازن الحبوب الموجودة في المنطقة.

وقد أورد تقرير اندبندنت عربية هذه الرواية، مشيراً إلى أن الاسم ظل متداولاً في الذاكرة الشعبية حتى بعد تغير الظروف التي ارتبطت بظهوره.[٢]

رواية القوارب البصرية

[عدل]

تربط رواية أخرى التسمية بنوع من القوارب البصرية التي كانت تُعرف باسم «الغراب».

وتشير الدراسة الأكاديمية الخاصة بجسور البصرة إلى هذه الرواية، وتذكر أن الاسم الرسمي للجسر كان «جسر بغداد»، في حين شاع بين السكان اسم جسر الغربان.[١]

ويقدم الكاتب غريب دوحي الناصر تفسيراً قريباً من هذه الرواية، إذ يذكر أن الزوارق العشارية الصغيرة ذات اللون الأسود كانت تتجمع بالقرب من الجسر، وأن شكلها ولونها جعلاها تشبه الغربان، مما أدى إلى ارتباط الجسر بهذه التسمية.[٦]

ولا تتوفر أدلة حاسمة ترجح بصورة نهائية رواية الطيور على رواية القوارب أو العكس.

الأهمية العمرانية

[عدل]

ارتبط جسر الغربان بشبكة الجسور التي ساعدت على ربط محلات البصرة الواقعة على ضفاف نهر العشار، وهو أحد المجاري المائية التي أدت دوراً مهماً في تكوين النسيج العمراني للمدينة.

وتوضح الدراسة المعمارية المنشورة سنة 2019 أن جسور البصرة لم تقتصر وظيفتها على عبور المجاري المائية، بل أسهمت أيضاً في ربط المناطق السكنية والطرق والأسواق، وأصبحت عناصر مؤثرة في الصورة البصرية للمدينة وتوسعها العمراني.[١]

وفي هذا السياق، كان جسر الغربان أحد نقاط الاتصال بين محلة الباشا ومحلة نظران، وساعد موقعه على استمرار حركة الانتقال بين أجزاء البصرة القديمة.

جسر الغربان في الذاكرة المحلية

[عدل]

احتفظ جسر الغربان بمكانة في ذاكرة سكان البصرة، وظهر اسمه في كتابات تتناول الحياة اليومية والبيئة الاجتماعية للمدينة خلال القرن العشرين.

ومن هذه الكتابات ذكريات الشاعر العراقي عبد الكريم كاصد، الذي تحدث عن جسور البصرة القديمة، ومنها جسر الغربان، واستعاد واقعة عبوره الجسر بدراجته في طفولته، ضمن حديثه عن المدينة وشوارعها وبيوتها.[٧]

كما ورد الجسر في كتابات تناولت تاريخ محلة الباشا وبيوت الشناشيل والطرق المؤدية إلى محلة نظران.

ويُظهر استمرار ورود اسم الجسر في هذه الكتابات ارتباطه بالذاكرة المكانية والاجتماعية لمدينة البصرة، إلى جانب وظيفته بوصفه معبراً على نهر العشار.

التوثيق المعماري

[عدل]

تضمنت دراسة «الجسور كجزء من رموز المدينة» المنشورة في المجلة الإماراتية للبحوث الهندسية سنة 2019 توثيقاً لجسر الغربان، ورد تحت اسم «جسر بغداد (جسر الغربان)»، وأشارت إلى صورة للجسر في محلة نظران ضمن الشكل رقم 11، من تصوير الباحث.[١]

ومع ذلك، لا تقدم المصادر المتاحة بيانات تفصيلية كافية عن أبعاد الجسر أو المواد المستخدمة في مختلف مراحل بنائه، ولا عن جميع أعمال الصيانة والتجديد التي ربما مر بها.

انظر أيضاً

[عدل]

المراجع

[عدل]
  1. ↑ ١٫٠ ١٫١ ١٫٢ ١٫٣ ١٫٤ ١٫٥ Armen Sakis Khosrof Markarian and Khalil Ibrahim Ali, «Bridges as Part of City Symbols: An Analytical and Descriptive Study with Case Study in Basra, Iraq», Emirates Journal for Engineering Research، المجلد 24، العدد 2، 2019، ص 7. النص الكامل للدراسة.
  2. ↑ ٢٫٠ ٢٫١ ٢٫٢ ٢٫٣ ماجد البريكان، «نظران... قلب البصرة النابض بالتراث والفنون»، اندبندنت عربية، 19 حزيران 2024. المقالة الأصلية.
  3. ↑ حسين العطية، «ذاكرة المدينة: مجد آفل وشناشيل - محلة الباشا في البصرة القديمة»، مجلة الگاردينيا، 8 أيار 2019. النص الكامل.
  4. ↑ كارستن نيبور، رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها، الجزء الثاني، الترجمة العربية، ص 184. نص الكتاب.
  5. ↑ وميض سرحان ذياب، «ما أوردته الوثائق العثمانية عن أوقاف البصرة في القرن التاسع عشر»، مجلة القادسية في الآداب والعلوم التربوية، المجلد 25، العدد 1، الجزء 3، 2025، ص 290، الهامش 55. النص الكامل.
  6. ↑ غريب دوحي الناصر، «مصلحة نقل الركاب في البصرة.. صورة في الذاكرة»، مجلة الگاردينيا، 19 تشرين الأول 2024. المقالة الأصلية.
  7. ↑ عبد الكريم كاصد، «الشاعر خارج النص: المقدمة والفصل الأول»، 2009. النص المنشور.