نهر الخندق
النوع نهر/قناة مدّية داخلية
الموقع البصرة، العراق
المصدر شط العرب
اتجاه الجريان التاريخي من الشرق نحو الجنوب الغربي
الطول نحو 5 كم
الأهمية التاريخية دفاعية، تجارية، ملاحية وعمرانية
من المناطق المجاورة الخندق، التميمية، كوت الحجاج، نظران

نهر الخندق أحد الأنهار الداخلية التاريخية في مدينة البصرة، يتفرع من الضفة الغربية لـشط العرب ويتجه نحو داخل المدينة. كان أحد أبرز المجاري المائية التي شكلت جغرافية البصرة الحديثة، وأدى أدواراً دفاعية وتجارية وملاحية وعمرانية خلال مراحل مختلفة من تاريخ المدينة.[١]

وكان النهر يمثل في مرحلة من تاريخ البصرة جزءاً من الحدود الشمالية للمدينة المسورة، وهو ما ارتبط بتسميته بـ«الخندق». ثم تحول مع نمو المدينة والتجارة إلى واحد من الممرات المائية المهمة لنقل الحبوب والتمور والبضائع وربط المخازن والأسواق بشط العرب.[٢]

الموقع والمسار

عدل

يفتح نهر الخندق على الضفة اليمنى، أي الغربية، لـشط العرب شمال فتحة نهر العشار.

ووصف الجغرافي والمؤرخ البريطاني جون غوردون لوريمر سنة 1908 نهري العشار والخندق بأنهما من أهم المظاهر الجغرافية لمدينة البصرة بعد شط العرب، وذكر أن فتحة نهر الخندق كانت تقع على مسافة نحو 1200 ياردة أعلى القنصلية البريطانية آنذاك.[١]

وكان النهر يتجه من شط العرب إلى الداخل في مسار متعرج قليلاً نحو الجنوب الغربي لمسافة ثلاثة أميال أو أكثر، أي ما يقارب خمسة كيلومترات، وكان عرضه عند المدخل يقارب 60 ياردة ثم يضيق تدريجياً باتجاه الداخل.[١]

وشكل الخندق مع شبكة الأنهار والجداول المتصلة به أحد العناصر التي رسمت حدود المحلات والبساتين وشبكة الطرق في البصرة.

أصل التسمية

عدل

ترتبط تسمية النهر بكلمة الخندق بمعناها الدفاعي.

وتشير الدراسات والخرائط التاريخية المتعلقة بالبصرة القديمة إلى وجود سور يحيط بالمدينة، مع مجرى مائي أو خندق يمتد بمحاذاة جزء من حدودها الشمالية.

وتظهر خريطة لمدينة البصرة تعود إلى سنة 1765، استندت إليها خطة حفظ البصرة القديمة الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، السور التاريخي للمدينة مع نهر الخندق على جانبه الشمالي.[٢]

وكان وجود الماء أمام السور يزيد من صعوبة الوصول إلى المدينة من تلك الجهة، ثم تحول المجرى مع الزمن إلى نهر مستخدم للري والنقل والتجارة.

تاريخ النهر

عدل

يصعب تحديد تاريخ دقيق لحفر نهر الخندق بصورته الحالية.

وتذكر بعض المصادر المحلية أن أصل الخندق يعود إلى فترة الصراع مع ثورة الزنج في القرن الثالث الهجري، وأنه حفر في عهد القائد العباسي الموفق، إلا أن الربط المباشر بين الخندق الوارد في المصادر العباسية ونهر الخندق الحالي في مدينة البصرة لم يثبت بصورة قاطعة.

أما وجود النهر في موقعه المرتبط بالبصرة الحديثة، فهو موثق في الخرائط والرحلات منذ القرون الأولى من العصر الحديث.

وتظهر الدراسات المتعلقة بتاريخ المدينة وجوده ضمن منظومة الأسوار والمجاري المائية للبصرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بينما تقدّم المصادر البريطانية والعثمانية في القرنين التاسع عشر والعشرين أوصافاً أكثر تفصيلاً له.

سور البصرة

عدل

ارتبط نهر الخندق ارتباطاً وثيقاً بـسور البصرة التاريخي.

وكان السور يحيط بالبصرة القديمة، بينما أدى المجرى المائي في الجانب الشمالي وظيفة دفاعية ساعدت على حماية المدينة.

وذكرت المصادر المتعلقة بتاريخ سور البصرة أن النهر كان يمتد بمحاذاة الضلع الشمالي للسور، وكانت توجد جسور عند مداخل المدينة تسمح بعبور الخندق والوصول إلى الأبواب.[٣]

وتظهر خرائط القرن الثامن عشر العلاقة بين نهر الخندق والأسوار والبوابات القديمة للمدينة.

ومع اختفاء أجزاء السور وتوسع البصرة خارج حدودها القديمة، فقد النهر وظيفته الدفاعية وبقي يؤدي وظائفه المائية والتجارية.

وصف لوريمر سنة 1908

عدل

قدم جون غوردون لوريمر أحد أدق الأوصاف التاريخية المباشرة لنهر الخندق في كتابه دليل الخليج الصادر سنة 1908.

ووصف النهر بأنه، إلى جانب نهر العشار، من أبرز معالم البصرة بعد شط العرب.[١]

وأشار إلى أن:

  • الخندق كان يمتد نحو ثلاثة أميال أو أكثر داخل المدينة.
  • عرضه عند مدخله كان يقارب 60 ياردة.
  • كان مركزاً رئيسياً لتجارة الحبوب.
  • انتشرت على ضفتيه الساحات والمخازن.
  • كانت القوارب والمراكب ترسو باستمرار عند مدخله.
  • كان يعبره جسران رئيسيان في الجزء القريب من شط العرب.[٤]

وكانت مباني شركة البصرة التجارية، المعروفة باسم «بيت موير»، تقع على الجانب الشمالي من فتحة النهر، وكانت مملوكة لشركة أصفر وشركائه.[٥]

تجارة الحبوب

عدل

شكل نهر الخندق في أواخر العهد العثماني أحد أهم مراكز تجارة الحبوب في البصرة.

ووصفه لوريمر صراحة بأنه مقر تجارة الحبوب، وكانت المخازن والساحات تمتد على جانبيه، بينما استخدمت القوارب النهرية لنقل البضائع بين هذه المخازن والسفن الراسية في شط العرب.[٤]

وكانت البضائع تجمع في مخازن تعرف محلياً باسم الأسياف والخانات قبل نقلها بواسطة المراكب.

وساهم قرب النهر من شط العرب والأسواق ومناطق التخزين في زيادة أهميته التجارية.

الملاحة والنقل

عدل

كان نهر الخندق صالحاً في الماضي لملاحة أنواع من القوارب والمراكب المحلية.

وتشير المصادر التاريخية إلى رسو المراكب الكبيرة نسبياً عند الجزء القريب من شط العرب، بينما كانت القوارب الأصغر تدخل إلى الأجزاء الداخلية من النهر.

واستخدمت المراكب في نقل الحبوب والتمور والبضائع من وإلى مخازن البصرة.

وأصبحت بذلك حركة الماء في الخندق جزءاً من منظومة النقل المائي التي اعتمدت عليها المدينة قبل انتشار الطرق والسيارات الحديثة.

منطقة الداكير

عدل

ازدادت الأهمية الصناعية للمنطقة المحيطة بنهر الخندق خلال الحرب العالمية الأولى.

فقد أنشئت بالقرب من النهر منشآت الداكير وأحواض صيانة وبناء السفن المرتبطة بالنقل النهري.

وتشير الوثائق البريطانية المتعلقة بالبصرة سنة 1918 إلى أن حوض النقل النهري كان يقع على شط العرب بين نهري العشار والخندق، وأن أجزاء من منشآت الحوض امتدت بمحاذاة الخندق.[٦]

كما توثق سجلات الحرب العالمية الأولى استخدام منطقة الخندق للمستشفيات والمنشآت العسكرية والخدمية خلال الوجود البريطاني في البصرة.

محلة الخندق

عدل

أدى النشاط التجاري والصناعي حول النهر إلى نمو منطقة سكنية عرفت باسم محلة الخندق.

وعرفت أجزاء من المنطقة أيضاً باسم أم الدجاج ثم التميمية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من النسيج العمراني المتصل بالعشار والمناطق المحيطة بها.

وفي سنة 1944 ظهرت محاولة لتغيير اسم المنطقة إلى «المظفرية» نسبة إلى متصرف البصرة آنذاك، إلا أن الاسم لم يستقر واستمر اسم الخندق في الاستخدام المحلي.[٧]

الجسور

عدل

عبر نهر الخندق عدد كبير من الجسور التي ربطت محلات البصرة الواقعة على جانبيه.

وذكر لوريمر سنة 1908 وجود جسرين رئيسيين على الجزء القريب من شط العرب؛ أحدهما قرب سوق الحبوب، بينما كان الآخر مبنياً بالطابوق.[٤]

ومع توسع المدينة ازداد عدد الجسور والمعابر على النهر.

ومن الجسور التي تذكرها المصادر المحلية جسر فيري، وجسر الطير الذي عرف خلال فترة الاحتلال البريطاني باسم جسر نيكسون، والجسر الأحمر، وجسر صبخة العرب، وجسر كوت الحجاج الخشبي، إضافة إلى جسر سكة الحديد قرب نظران.[٨]

وكان جسر الصبخ يربط منطقة كوت الحجاج بالبصرة من جهة التحسينية، وأعيد بناؤه سنة 1955 بحسب المصادر المحلية.

كوت الحجاج ونظران

عدل

كان النهر عنصراً مهماً في تحديد الموقع التاريخي لمحلات شمال البصرة القديمة.

فكانت كوت الحجاج تقع إلى الشمال منه في أجزاء من مساره، وربطتها بالمدينة مجموعة من الجسور.

كما مر القسم الغربي من النهر باتجاه نظران وشبكة القنوات الداخلية التي كانت تتصل بأنهار البصرة الأخرى.

ولهذا يظهر نهر الخندق في كثير من أوصاف جغرافية نظران وكوت الحجاج ومحلات شمال البصرة القديمة.

النهر في القرن العشرين

عدل

أدى توسع الطرق البرية واستخدام السيارات وتراجع النقل النهري إلى انخفاض أهمية نهر الخندق بوصفه ممراً تجارياً.

كما تعرضت أجزاء من ضفتيه للتوسع العمراني وإنشاء المباني والجسور والطرق.

وبمرور الوقت أصبحت مياه النهر تعاني من ضعف التجدد وتراكم الرواسب والمخلفات ومياه الصرف الصحي.

ومع ذلك ظل المجرى معروفاً في خرائط المدينة، واستمر اسمه مستخدماً للدلالة على النهر والمنطقة المحيطة به.

الوضع البيئي

عدل

تعرض نهر الخندق خلال العقود الأخيرة لمشكلات بيئية كبيرة.

وأجرت جامعة البصرة دراسات علمية على مياه ورواسب النهر منذ تسعينيات القرن العشرين، تناولت تراكيز العناصر الثقيلة والتلوث وتأثيراته في البيئة المائية.[٩]

ومن الدراسات المنشورة:

«Distribution of cobalt, nickel, manganese and iron in the sediments from Al-Ashar and Al-Khandak canals connected with Shatt Al-Arab River» سنة 1999.

و«Distribution of heavy elements and water chemistry in Al-Ashar and Al-Khandak canals connected with Shatt Al-Arab River» سنة 2000.[٩]

كما تناولت دراسة أخرى سنة 2005 تأثير التلوث المنزلي في تجمعات الأسماك في فرع الخندق.[١٠]

الدراسات الحديثة

عدل

استمرت جامعة البصرة في مراقبة حالة النهر.

وفي تشرين الثاني 2023 أخذ فريق من كلية علوم البحار عينات من أنهار الرباط والخندق والعشار والخورة لدراسة تلوث الأنهار الداخلية بالعناصر السامة وتأثيرها في مياه شط العرب.[١١]

وأكد الباحثون أن تلوث الأنهار الداخلية يمثل مشكلة بيئية تؤثر في جودة مياه شط العرب.

مشاريع التأهيل

عدل

أعلنت الجهات الحكومية خلال السنوات الماضية أكثر من خطة لإحياء الأنهار الداخلية في البصرة.

وفي عام 2018 اتفقت وزارتا النفط والموارد المائية على البدء بأعمال لإحياء نهري العشار والخندق بالتنسيق مع الجهات الحكومية في محافظة البصرة.[١٢]

وشملت الأعمال المرتبطة بمنظومة الأنهار كري المجاري وفتح القناطر والعبارات وتحسين حركة المياه بين الأنهار الداخلية وشط العرب.[١٣]

الأهمية التاريخية

عدل

يمثل نهر الخندق أحد الشواهد الباقية على تطور مدينة البصرة خلال القرون الماضية.

فقد انتقل دوره من جزء في منظومة دفاع المدينة القديمة إلى قناة للري والملاحة، ثم أصبح مركزاً لتجارة الحبوب والمخازن والنقل النهري والصناعات المرتبطة بالسفن.

كما أسهم مساره في رسم الحدود بين عدد من المحلات التاريخية، وظلت أسماء الجسور والأحياء المرتبطة به جزءاً من ذاكرة البصرة.

انظر أيضاً

عدل

المراجع

عدل
  1. ↑ ١٫٠ ١٫١ ١٫٢ ١٫٣ ، دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية، المجلد الثاني: القسم الجغرافي والإحصائي، حكومة الهند البريطانية، 1908، ص. 271.
  2. ↑ ٢٫٠ ٢٫١ قالب:استشهاد بتقرير
  3. ↑ ، البصرة في خمس وعشرين رحلة أجنبية، مركز تراث البصرة.
  4. ↑ ٤٫٠ ٤٫١ ٤٫٢ ، دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية، 1908، ص. 272.
  5. ↑ ، دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية، 1908، ص. 273.
  6. ↑ Basrah Dockyard and Khandak Creek، باللغة en.
  7. ↑ نهر الخندق في البصرة كان واحداً من شرايين المواصلات النهرية نقلاً وتجارة، عبد الحسين الغراوي، الگاردينيا، 23 مايو 2017.
  8. ↑ قراءة في كتاب مسميات البصرة - محلاتها أسرها أعلامها، مصطفى غازي فيصل.
  9. ↑ ٩٫٠ ٩٫١ مكية مهلهل خلف - المؤلفات والبحوث، جامعة البصرة، تاريخ الوصول: 8 أكتوبر 2026.
  10. ↑ كاظم حسن يونس - البحوث، جامعة البصرة، تاريخ الوصول: 8 أكتوبر 2026.
  11. ↑ جامعة البصرة تنظم سفرة حقلية لغرض جلب عينات مائية من أنهر البصرة، جامعة البصرة، 7 نوفمبر 2023، تاريخ الوصول: 8 أكتوبر 2026.
  12. ↑ تواصل الاجتماعات للبدء بتطوير نهر العشار، ديوان محافظة البصرة.
  13. ↑ لتأهيل وتطوير منظومة شبكة أنهار البصرة شركة نفط البصرة تباشر بالإشراف على المرحلة الأولى، ديوان محافظة البصرة.