انتقل إلى المحتوى

البصرة في الحرب العراقية الإيرانية

من موسوعة بصراوي
مراجعة ٠٣:١٢، ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ بواسطة BasraweAdmin (نقاش | مساهمات) (←الهجمات على البصرة سنة 1987)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
البصرة في الحرب العراقية الإيرانية
خريطة الجبهة الشرقية للبصرة أثناء عملية كربلاء 5 سنة 1987
خريطة توضيحية لجبهة شرق البصرة أثناء عملية كربلاء 5 سنة 1987. إعداد AnonMoos وGire 3pich2005، ترخيص CC BY 3.0. الخريطة تمثل مرحلة من الحرب وليس جميع جبهاتها.
الفترة 22 أيلول 1980 – 20 آب 1988
ضمن الحرب العراقية الإيرانية
الموقع البصرة والمناطق الشرقية والجنوبية من محافظة البصرة
الطرف الأول العراق
الطرف الثاني إيران
القائد الأعلى في العراق صدام حسين
القائد الأعلى في إيران روح الله الخميني
أبرز الجبهات الشلامجة، شط العرب، الفاو، جزر مجنون، هور الحويزة
أبرز العمليات عملية رمضان (1982)، خيبر (1984)، بدر (1985)، الفجر 8 (1986)، كربلاء 5 (1987)، استعادة الفاو (1988)
المدن والمناطق المتضررة البصرة، أبو الخصيب، شط العرب، الفاو، وأجزاء من مناطق الحدود الشرقية
أبرز الآثار القصف والنزوح وتضرر الزراعة والموانئ والمساكن والبنية التحتية
وضع مدينة البصرة بقيت تحت سيطرة القوات العراقية طوال الحرب
تغيرات السيطرة العسكرية سيطرة إيران على شبه جزيرة الفاو سنة 1986، ثم استعادتها من قبل العراق سنة 1988
نهاية العمليات وقف إطلاق النار في 20 آب 1988

البصرة في الحرب العراقية الإيرانية هي مرحلة من تاريخ البصرة امتدت بين سنتي 1980 و1988، شهدت خلالها المدينة ومحافظتها عمليات عسكرية واسعة وقصفاً متكرراً ونزوحاً سكانياً وتدهوراً في الأنشطة الزراعية والتجارية، نتيجة قربها من الجبهة الجنوبية للحرب التي اندلعت بين العراق وإيران في 22 أيلول 1980 وانتهت بوقف إطلاق النار في 20 آب 1988.

احتلت البصرة أهمية استراتيجية بالغة لدى الطرفين، بسبب موقعها على شط العرب وقربها من الخليج العربي وحقول النفط والموانئ والطرق المؤدية إلى وسط العراق. وقد أصبحت المناطق الشرقية والجنوبية من المحافظة، وخصوصاً الشلامجة والقرنة وأبو الخصيب والفاو وجزر مجنون، من أبرز مسارح العمليات العسكرية خلال الحرب.[١][٢]

شهدت الجبهة المحيطة بالبصرة محاولات إيرانية متكررة للتقدم نحو المدينة، بدءاً من عملية رمضان سنة 1982، مروراً بعمليات الأهوار وجزر مجنون، ثم السيطرة الإيرانية على شبه جزيرة الفاو سنة 1986، وصولاً إلى عملية كربلاء 5 سنة 1987 التي دارت معاركها شرق المدينة.

ولم تتمكن القوات الإيرانية من احتلال مدينة البصرة نفسها طوال الحرب، رغم اقتراب جبهة القتال منها في بعض المراحل. وفي نيسان 1988 استعادت القوات العراقية شبه جزيرة الفاو، ثم استعادت مواقع أخرى في الجبهة الجنوبية خلال الأشهر الأخيرة للحرب.[٣]

وتجاوزت آثار الحرب العمليات العسكرية المباشرة؛ فقد تعرضت مدينة البصرة للقصف، وتضررت مناطق سكنية ومنشآت مدنية، كما شهدت المناطق الزراعية الواقعة على شط العرب دماراً واسعاً لبساتين النخيل، واضطرت أعداد كبيرة من السكان إلى النزوح.

وتشير دراسة نشرها مركز كارنيغي للشرق الأوسط سنة 2022 إلى أن أكثر من نصف سكان مناطق شط العرب وأبي الخصيب نزحوا خلال الحرب، وأن نحو 90 في المئة من سكان الفاو غادروها سنة 1986، فيما تعرضت أجزاء واسعة من بساتين النخيل لأضرار طويلة الأمد.[٤]

الخلفية التاريخية

[عدل]

البصرة قبل اندلاع الحرب

[عدل]

كانت البصرة خلال سبعينيات القرن العشرين من أهم المدن العراقية اقتصادياً، بسبب موقعها التجاري والمينائي والنفطي.

وارتبطت الحركة الاقتصادية فيها بالنقل البحري والنهري، وتصدير النفط والتمور، والصناعات المحلية، والنشاط الزراعي في المناطق الواقعة على ضفاف شط العرب.

وكانت بساتين النخيل تمتد عبر مناطق أبو الخصيب وشط العرب والهارثة والسيبة والفاو، فيما شكلت المناطق التجارية داخل مدينة البصرة مراكز للتجارة والخدمات والمؤسسات الحكومية.

وقد ساعدت عائدات النفط خلال السبعينيات على توسع عدد من مشروعات البنية التحتية والخدمات في العراق، قبل أن تؤدي الحرب إلى تحويل موارد مالية وبشرية كبيرة نحو المتطلبات العسكرية.

العلاقات العراقية الإيرانية

[عدل]

شهدت العلاقات بين العراق وإيران نزاعات حدودية وسياسية متكررة خلال القرن العشرين.

وكان الخلاف على شط العرب من أبرز القضايا، إلى جانب مسائل الحدود البرية ودعم الجماعات المعارضة في البلدين.

وفي سنة 1975 وقع الطرفان اتفاقية الجزائر 1975 التي تضمنت ترتيبات لتحديد الحدود في شط العرب ومناطق أخرى، على أساس مجموعة من التفاهمات السياسية والأمنية.

لكن العلاقات تدهورت مجدداً بعد الثورة الإيرانية 1979، وازداد التوتر بين حكومتي بغداد وطهران.

وفي 17 أيلول 1980 أعلن الرئيس العراقي صدام حسين إلغاء اتفاقية الجزائر، قبل أن تبدأ الحرب الشاملة في 22 أيلول من العام نفسه.

وتناقش الدراسات التاريخية دوافع الحرب بوصفها مزيجاً من النزاع الحدودي والتنافس الإقليمي والحسابات السياسية والأمنية التي أعقبت الثورة الإيرانية.[١]

بداية الحرب سنة 1980

[عدل]

في 22 أيلول 1980 شنت القوات العراقية هجمات جوية وبرية على أهداف إيرانية، لتبدأ الحرب الشاملة بين البلدين.

وكانت الجبهة الجنوبية من أهم المحاور العسكرية، بسبب قربها من البصرة والطرق المؤدية إلى مناطق خوزستان الإيرانية.

وشهدت المناطق الحدودية المقابلة للبصرة عمليات عسكرية واسعة، وخصوصاً حول المحمرة، المعروفة إيرانياً باسم خرمشهر، وعبادان.

العمليات على الحدود الشرقية

[عدل]

تقدمت القوات العراقية خلال الأسابيع الأولى باتجاه مناطق حدودية إيرانية، وركزت جهودها على المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية والعسكرية.

وكانت مدينة المحمرة، الواقعة على الضفة الشرقية من شط العرب، من أبرز أهداف العمليات.

كما فرضت القوات العراقية حصاراً على عبادان، لكنها لم تتمكن من احتلال المدينة بالكامل.

وقد أصبحت هذه المناطق ساحة قتال متكرر، وكان لقربها من البصرة أثر مباشر في تعرض المدينة العراقية للهجمات الجوية والمدفعية.[١]

القصف الأول للبصرة

[عدل]

تعرضت البصرة لهجمات جوية إيرانية منذ الأيام الأولى للحرب، استهدفت منشآت عسكرية واقتصادية ونفطية.

وفي تقرير ميداني نشرته صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 26 أيلول 1980، وصف الصحفي لورين جنكينز الغارات التي شهدتها المدينة، وأشار إلى تصاعد أعمدة الدخان من منشآت نفطية قرب الميناء، وتضرر مواقع في مركز المدينة.

وتوثق هذه الشهادة الصحفية أن تأثير الحرب وصل إلى البصرة منذ الأسبوع الأول، ولم يقتصر على المناطق الحدودية البعيدة عن مركزها الحضري.[٥]

تحولات الجبهة سنة 1981

[عدل]

شهدت سنة 1981 تغيرات في سير المعارك، مع بدء القوات الإيرانية شن هجمات مضادة لاستعادة المواقع التي كانت القوات العراقية قد سيطرت عليها خلال الأشهر الأولى.

وفي أيلول 1981 تمكنت القوات الإيرانية من فك الحصار العراقي عن عبادان.

وكان لهذا التطور أثر في الجبهة الجنوبية، إذ أصبحت القوات العراقية تواجه ضغوطاً متزايدة في المناطق الواقعة شرق وجنوب شرق البصرة.

واستمرت الاشتباكات والقصف على طول الحدود، مع تزايد استخدام المدفعية الثقيلة والطائرات والمدرعات.

التحول العسكري سنة 1982

[عدل]

شهد عام 1982 تحولاً أساسياً في مسار الحرب.

فقد تمكنت القوات الإيرانية من استعادة مدينة المحمرة في 24 أيار 1982، بعد معارك واسعة أدت إلى انسحاب أو أسر أعداد من القوات العراقية.

وأعلنت الحكومة العراقية استعدادها للتفاوض، كما سحبت قواتها من أجزاء واسعة من الأراضي الإيرانية التي كانت قد احتلتها.

لكن القيادة الإيرانية قررت مواصلة الحرب ونقل العمليات البرية إلى داخل العراق، وأصبحت جبهة البصرة هدفاً رئيسياً للهجمات الجديدة.[١]

عملية رمضان

[عدل]

في 13–14 تموز 1982 بدأت القوات الإيرانية عملية عسكرية واسعة عُرفت باسم عملية رمضان، استهدفت الدفاعات العراقية شرق البصرة.

وكان من أهدافها اختراق خطوط الدفاع العراقية في قطاع الشلامجة، والتقدم نحو طرق المواصلات الرئيسية شمال المدينة، أو عزل البصرة عن بقية العراق.

وشاركت في الهجوم وحدات من الجيش الإيراني والحرس الثوري، في مواجهة تشكيلات من الجيش العراقي كانت قد أقامت مواقع دفاعية محصنة.

وقد تضمنت هذه الدفاعات سواتر ترابية وخنادق وموانع مائية وحقول ألغام ومواقع مدفعية.

ورغم تحقيق تقدم موضعي في بداية العمليات، لم تتمكن القوات الإيرانية من اختراق الدفاعات العراقية بصورة تؤدي إلى السيطرة على البصرة.

واستمرت المعارك نحو أسبوعين، وتكبد الطرفان خسائر عسكرية كبيرة.[٢][٦]

أثر عملية رمضان

[عدل]

ساهمت العملية في تحويل المنطقة الشرقية للبصرة إلى جبهة دفاعية واسعة، مع استمرار التهديد العسكري الإيراني للمدينة.

كما دفعت القيادة العراقية إلى تعزيز التحصينات في المنطقة المحيطة بالشلامجة والطرق المؤدية إلى مركز البصرة.

وأصبحت السواتر والقنوات والموانع المائية جزءاً رئيسياً من الجغرافيا العسكرية التي تشكلت شرق المدينة خلال سنوات الحرب التالية.

معارك الأهوار وجزر مجنون

[عدل]

شهدت السنوات 1983–1985 انتقال جزء مهم من القتال إلى المناطق الرطبة والأهوار الواقعة شمال شرق البصرة.

وكانت هذه البيئة مختلفة عن الجبهات الصحراوية المفتوحة، نظراً إلى انتشار المياه والقصب والمستنقعات وصعوبة تحرك المدرعات.

عملية خيبر سنة 1984

[عدل]

في شباط 1984 بدأت القوات الإيرانية عملية خيبر في منطقة هور الحويزة والمناطق المتصلة به.

وقد استخدمت القوات الإيرانية القوارب ووسائل النقل البرمائية للتقدم داخل الأهوار وتجاوز بعض المواقع الدفاعية العراقية.

وتمكنت من السيطرة على أجزاء من جزر مجنون، وهي مناطق ذات أهمية عسكرية واقتصادية بسبب قربها من حقول النفط والطرق المؤدية إلى جنوب العراق.

وشهدت المنطقة معارك متكررة، حاول خلالها الجيش العراقي استعادة المواقع التي فقدها.

جزر مجنون

[عدل]

أصبحت جزر مجنون من أكثر المناطق ارتباطاً بالحرب في محافظة البصرة.

وكانت السيطرة عليها مهمة بسبب موقعها شمال شرق المدينة، وقربها من حقول النفط والممرات المؤدية إلى دجلة والأهوار.

وقد أدى القتال إلى تغيرات في طبيعة الأرض، نتيجة حفر الخنادق وإنشاء السواتر وفتح القنوات واستخدام المدفعية والألغام.

كما تسبب وجود الجبهة العسكرية في تقييد الحركة المدنية والأنشطة الاقتصادية في المناطق المحيطة بها.

عملية بدر سنة 1985

[عدل]

شهدت منطقة الأهوار في آذار 1985 عملية إيرانية أخرى عُرفت باسم عملية بدر.

وحاولت القوات الإيرانية خلالها التقدم غرباً باتجاه نهر دجلة وقطع طرق المواصلات التي تربط البصرة ببغداد.

وقد أدت العملية إلى معارك عنيفة في المناطق المائية والأراضي الزراعية، لكن القوات الإيرانية لم تحقق الهدف الاستراتيجي المتمثل في السيطرة المستمرة على طرق الاتصال الرئيسية.

وتُعد معارك الأهوار من أبرز أمثلة تأثير الطبيعة الجغرافية لجنوب العراق في الخطط والأساليب العسكرية خلال الحرب.[١]

السيطرة الإيرانية على الفاو سنة 1986

[عدل]
خريطة توضيحية لعملية الفجر 8 التي أدت إلى سيطرة القوات الإيرانية على شبه جزيرة الفاو سنة 1986. إعداد AnonMoos وGire 3pich2005، ترخيص CC BY 3.0.

كانت معركة الفاو سنة 1986 من أبرز التحولات العسكرية في الجبهة الجنوبية.

ففي ليلة 9–10 شباط 1986 بدأت القوات الإيرانية عملية عسكرية عُرفت باسم الفجر 8، وتمكنت من عبور شط العرب ومهاجمة المواقع العراقية في شبه جزيرة الفاو.

وقد استفادت القوات المهاجمة من عنصر المفاجأة ومن طبيعة المنطقة المائية، مع استخدام وحدات مدربة على العمليات البرمائية.

سقوط الفاو

[عدل]

تمكنت القوات الإيرانية من السيطرة على مدينة الفاو ومناطق من شبه الجزيرة خلال شباط 1986.

وكانت هذه العملية من أبرز النجاحات العسكرية الإيرانية في ذلك الوقت، لأنها أدت إلى السيطرة على أراضٍ عراقية ذات أهمية استراتيجية بالقرب من مدخل شط العرب والخليج العربي.

كما زادت الضغوط العسكرية على محافظة البصرة، وخلقت تهديداً إضافياً للطرق والمنشآت الواقعة جنوب المدينة.[١]

الهجمات العراقية المضادة

[عدل]

حاولت القوات العراقية استعادة الفاو خلال الأشهر التالية، ونفذت عمليات هجومية وقصفاً مكثفاً ضد المواقع الإيرانية.

لكن الدفاعات الإيرانية تمكنت من الاحتفاظ بأجزاء رئيسية من شبه الجزيرة حتى سنة 1988.

وقد أدت المعارك إلى تدمير مناطق سكنية وزراعية، وتضرر البنية التحتية والطرق والجسور والمنشآت المحلية.

نزوح سكان الفاو

[عدل]

تعرض سكان الفاو لأوضاع إنسانية صعبة بسبب انتقال القتال إلى المدينة ومحيطها.

وتشير دراسة مركز كارنيغي المنشورة سنة 2022 إلى أن نحو 90 في المئة من سكان الفاو غادروها خلال سنة 1986.

وقد نزحت أسر إلى مدينة البصرة ومناطق أخرى من جنوب العراق، بينما فقد كثير من السكان مساكنهم وأعمالهم ومزارعهم.

ويعكس هذا النزوح أثر المعارك على المجتمعات المحلية في المحافظة، بعيداً عن النتائج العسكرية المباشرة.[٤]

الهجمات على البصرة سنة 1987

[عدل]
جندي إيراني نائم داخل خندق في منطقة عمليات كربلاء 5 شرق البصرة، آذار 1987. تصوير سعيد صادقي، المصدر Fars Media Corporation، ترخيص CC BY 4.0.

شهدت سنة 1987 واحدة من أشد مراحل القتال قرب مدينة البصرة.

فقد أطلقت إيران هجوماً كبيراً عُرف باسم عملية كربلاء 5، في محاولة لاختراق الدفاعات العراقية شرق المدينة.

عملية كربلاء 4

[عدل]

سبقت عملية كربلاء 5 محاولة إيرانية أُطلقت في أواخر كانون الأول 1986 وعُرفت باسم عملية كربلاء 4.

استهدفت هذه العملية مواقع عراقية على الجبهة الجنوبية، لكنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها الرئيسية وتعرضت القوات الإيرانية لخسائر كبيرة.

وقد أعادت القيادة الإيرانية تنظيم قواتها استعداداً لهجوم جديد خلال كانون الثاني 1987.

عملية كربلاء 5

[عدل]

بدأ الهجوم الإيراني الكبير في 8–9 كانون الثاني 1987 في القطاع الواقع شرق البصرة، بالقرب من الشلامجة والمناطق المتصلة ببحيرة الأسماك.

وشارك فيه عدد كبير من قوات الجيش الإيراني والحرس الثوري الإيراني والمتطوعين من قوات التعبئة.

وكان الهدف العسكري الرئيسي اختراق الدفاعات العراقية والاقتراب من مدينة البصرة أو تهديد طرقها الاستراتيجية.

وشهدت المنطقة قتالاً شديداً استخدمت فيه المدفعية والدبابات والأسلحة المضادة للدروع والمشاة، فضلاً عن القصف الجوي.

وقد تمكنت القوات الإيرانية من الاستيلاء على بعض المواقع والسواتر المتقدمة، لكنها لم تتمكن من دخول مدينة البصرة أو تحقيق انهيار شامل للدفاع العراقي.[١][٧]

بحيرة الأسماك

[عدل]

كانت المنطقة المعروفة باسم بحيرة الأسماك من أبرز المواقع الدفاعية شرق البصرة.

وقد استُخدمت المياه والسواتر والقنوات والموانع الصناعية لإعاقة تقدم القوات المهاجمة وتوجيهها نحو مسارات محددة.

وشكلت هذه البيئة تحدياً كبيراً للقوات البرية، بسبب صعوبة عبور المياه والمناطق الموحلة تحت نيران المدفعية.

وتُظهر الخرائط العسكرية الخاصة بكربلاء 5 مواقع الدفاعات والممرات المائية التي دارت حولها المعارك.

القصف المدفعي لمدينة البصرة

[عدل]

رافق عملية كربلاء 5 قصف مدفعي إيراني استهدف مدينة البصرة نفسها.

وفي تقرير ميداني نشرته صحيفة واشنطن بوست يوم 16 كانون الثاني 1987، وصف الصحفي باتريك تايلر قصف المدينة خلال الأيام الستة السابقة، وسقوط القذائف على أحياء سكنية ومبانٍ ومنشآت مدنية.

كما أشار التقرير إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان بسبب الخوف من القصف واستمرار العمليات العسكرية شرق المدينة.

وتُعد هذه الشهادة الصحفية من المصادر المعاصرة المهمة التي توثق تأثير معارك كربلاء 5 في الحياة المدنية داخل البصرة.[٧]

الأضرار المدنية

[عدل]

أدى القصف إلى سقوط قتلى وجرحى وتضرر منازل ومتاجر ومرافق عامة.

وتضمنت المراسلات العراقية المقدمة إلى الأمم المتحدة خلال شباط 1987 أرقاماً عن ضحايا وأضرار في البصرة والزبير نتيجة القصف الإيراني.

لكن هذه الأرقام وردت في بلاغات رسمية صادرة عن طرف مشارك في الحرب، ولذلك لا تمثل إحصاءات مستقلة مكتملة.

ويتعين عند استخدامها تحديد تاريخ البلاغ ونطاق الحادثة، وعدم اعتبارها حصيلة لجميع الضحايا خلال سنة 1987.[٨]

الحرب الكيميائية في الجبهة الجنوبية

[عدل]

شهدت الحرب العراقية الإيرانية استخدام الأسلحة الكيميائية، وأصبحت بعض الجبهات القريبة من البصرة ضمن المناطق التي تناولتها التحقيقات الدولية.

وقد وثقت بعثات تابعة للأمم المتحدة الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيميائية ضد القوات الإيرانية من جانب القوات العراقية، وخصوصاً غاز الخردل، مع وجود أدلة على استخدام عوامل أخرى في بعض الحالات.

كما فحصت إحدى البعثات سنة 1987 إصابات بين جنود عراقيين في منطقة البصرة، لكنها لم تتمكن من تحديد مصدر جميع الإصابات أو كيفية وقوعها بصورة قاطعة.

وتُعد هذه المسألة مهمة عند قراءة الوثائق، إذ يجب التمييز بين ثبوت التعرض لمادة كيميائية وبين إثبات الجهة التي استخدمتها في كل حادثة محددة.[٩]

موقف الأمم المتحدة

[عدل]

في 9 أيار 1988 أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 612، الذي أدان استمرار استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب العراقية الإيرانية، ودعا إلى الالتزام ببروتوكول جنيف لسنة 1925.

كما أصدر المجلس القرار رقم 620 في 26 آب 1988، مؤكداً إدانة استخدام الأسلحة الكيميائية وضرورة منع تكرارها.[١٠][١١]

استعادة الفاو سنة 1988

[عدل]

شهدت سنة 1988 تحولاً جديداً في الجبهة الجنوبية.

ففي 17 نيسان 1988 بدأت القوات العراقية عملية هجومية واسعة لاستعادة شبه جزيرة الفاو، التي كانت القوات الإيرانية تسيطر عليها منذ شباط 1986.

وشاركت في الهجوم وحدات من الجيش العراقي والحرس الجمهوري، مع استخدام مكثف للمدفعية والدبابات والطائرات.

سير العملية

[عدل]

استفادت القوات العراقية من إعادة تنظيم وحداتها والتخطيط للهجوم المفاجئ، وتقدمت عبر المواقع الإيرانية في شبه الجزيرة.

وقد انهارت الدفاعات الإيرانية خلال فترة قصيرة قياساً إلى طول المعارك السابقة في المنطقة.

وتذكر دراسات عسكرية أن القوات العراقية استعادت معظم شبه الجزيرة خلال نحو 35 ساعة، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن عمليات التمشيط وتثبيت السيطرة استمرت بعد ذلك.

وكان استرداد الفاو من أهم المكاسب العسكرية العراقية خلال المرحلة الأخيرة من الحرب.[٣]

أثر استعادة الفاو

[عدل]

أدى استرداد الفاو إلى تقليص الضغط العسكري المباشر على المناطق الجنوبية من محافظة البصرة.

كما أدى إلى تغير ميزان القوة على الجبهة، في وقت كانت فيه القوات الإيرانية تواجه صعوبات عسكرية واقتصادية متزايدة.

لكن استعادة الفاو لم تعنِ انتهاء الحرب فوراً؛ فقد استمرت العمليات العسكرية في مناطق أخرى حتى اتفاق وقف إطلاق النار في آب 1988.

العمليات الأخيرة في الجبهة الجنوبية

[عدل]

واصلت القوات العراقية خلال أيار وحزيران 1988 هجمات جديدة على مواقع كانت القوات الإيرانية قد احتلتها في سنوات الحرب السابقة.

وشملت هذه العمليات مناطق شرق البصرة وجزر مجنون والأراضي المتصلة بالأهوار.

وقد أدت إلى تغيرات عسكرية مهمة، وأسهمت في استعادة القوات العراقية السيطرة على أجزاء واسعة من الجبهة الجنوبية.

وتزامنت هذه التطورات مع تزايد الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب، والضغوط الاقتصادية والعسكرية التي واجهها البلدان.

الأوضاع الاجتماعية والسكانية

[عدل]

أثرت الحرب بصورة واسعة في حياة سكان البصرة ومحافظتها.

وكانت المناطق الحدودية والنهرية الأكثر تعرضاً للعمليات العسكرية والنزوح، بينما استقبلت المناطق الأكثر أمناً داخل المحافظة عدداً من الأسر النازحة.

النزوح من المناطق الحدودية

[عدل]

تسببت المعارك والقصف في نزوح أعداد كبيرة من سكان الفاو وأبو الخصيب وشط العرب والقرى الواقعة قرب الحدود.

وتشير دراسة مركز كارنيغي سنة 2022 إلى أن أكثر من نصف سكان شط العرب وأبي الخصيب نزحوا خلال الحرب، وأن معظم سكان الفاو تركوا مناطقهم سنة 1986.

وقد انتقل كثير منهم إلى أحياء أخرى داخل مدينة البصرة أو إلى محافظات عراقية أخرى.[٤]

تغير التركيب السكاني

[عدل]

أدى النزوح إلى تغيرات في توزيع السكان بين المناطق الريفية والحضرية.

وفقدت قرى زراعية عدداً كبيراً من سكانها، بينما ازدادت الضغوط على المساكن والخدمات في المناطق التي استقبلت الأسر النازحة.

كما أدت خسارة الأراضي الزراعية وتراجع الإنتاج إلى انتقال بعض الأسر نحو أعمال جديدة في التجارة والخدمات والقطاع الحكومي.

ولم تعد جميع الأسر إلى مناطقها بعد وقف إطلاق النار، بسبب استمرار الأضرار ووجود الألغام وتراجع فرص العمل الزراعي.

الحياة اليومية

[عدل]

شهد سكان البصرة فترات متكررة من الإنذارات الجوية والقصف وإجراءات الدفاع المدني.

وتأثرت الحركة اليومية بالوضع الأمني وقرب المدينة من الجبهة، ولا سيما خلال المعارك الكبيرة سنة 1987.

كما أثرت التعبئة العسكرية الطويلة في الأسر البصرية بسبب وجود أفراد منها في القوات المسلحة.

وكانت الحرب جزءاً من الحياة اليومية لجيل كامل عاش في المدينة خلال ثمانينيات القرن العشرين.

الأضرار الزراعية والبيئية

[عدل]

تُعد الأضرار التي أصابت الزراعة والبيئة من أبرز النتائج طويلة الأمد للحرب في محافظة البصرة.

تدمير بساتين النخيل

[عدل]

كانت ضفاف شط العرب قبل الحرب تضم مساحات واسعة من بساتين النخيل والبساتين المختلطة.

وقد تعرضت هذه المناطق للتدمير بسبب القصف والعمليات العسكرية وإنشاء المواقع الدفاعية، إضافة إلى قطع الأشجار لأسباب أمنية.

وتشير دراسة حارث حسن المنشورة في مركز كارنيغي إلى أن نحو ثمانية ملايين نخلة أُزيلت أو دُمرت خلال الحرب في المناطق المتأثرة.

كما قدّرت الدراسة أن نحو 80 في المئة من بساتين النخيل المحيطة بشط العرب تعرضت للتلف أو التدهور بفعل الحرب ونقص المياه وارتفاع الملوحة.

وتُعد هذه الأرقام تقديرات منشورة في دراسة بحثية، وليست نتائج جرد زراعي شامل لجميع النخيل في محافظة البصرة سنة 1988.[٤]

تضرر الأراضي الزراعية

[عدل]

أدت العمليات العسكرية إلى تدهور أجزاء من الأراضي الزراعية بسبب حفر الخنادق ونشر الألغام وإنشاء السواتر والطرق العسكرية.

كما تضررت قنوات الري وبعض منشآت ضخ المياه، وتغير استخدام الأراضي في المناطق المحاذية للجبهة.

وقد أدت هذه التغيرات إلى صعوبة استئناف الزراعة في بعض المواقع بعد انتهاء الحرب.

الألغام والمخلفات الحربية

[عدل]

تركت الحرب ألغاماً وذخائر غير منفجرة في مناطق واسعة من الجبهة الجنوبية.

وشكلت هذه المخلفات خطراً مستمراً على السكان والمزارعين والعاملين في المناطق الحدودية.

كما أعاقت عودة بعض الأسر إلى قراها، وأثرت في استصلاح الأراضي وتنفيذ مشروعات البنية التحتية.

وتتطلب دراسة آثار الألغام التمييز بين المخلفات العائدة إلى حرب 1980–1988 وبين المخلفات التي نتجت عن حرب الخليج 1991 وغزو العراق سنة 2003، لأن المحافظة شهدت حروباً متعددة خلال العقود التالية.

تلوث المياه وارتفاع الملوحة

[عدل]

أثرت الحرب في البيئة المائية لشط العرب والمناطق المتصلة به.

وساهم تدمير المنشآت وتراجع صيانة الجداول والقنوات وتضرر الأراضي الزراعية في زيادة الضغوط البيئية.

لكن ارتفاع الملوحة وتراجع المياه العذبة يرتبطان كذلك بعوامل أخرى، منها سياسات إدارة المياه والسدود والتغيرات المناخية اللاحقة.

ولهذا لا يصح نسبة جميع مشكلات ملوحة شط العرب المعاصرة إلى الحرب العراقية الإيرانية وحدها.[٤]

الاقتصاد والموانئ

[عدل]

تعطّل الملاحة في شط العرب

[عدل]

كانت البصرة قبل الحرب من أهم مراكز التجارة البحرية في العراق.

لكن اندلاع الحرب أدى إلى اضطراب حركة الملاحة في شط العرب، وزيادة المخاطر المرتبطة بالقصف والألغام والسفن الغارقة.

وقد تضررت منشآت مينائية خلال القتال، كما تعرقل وصول السفن التجارية إلى بعض المواقع.

وتشير دراسة أعدتها خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى أن ميناء البصرة تعرض للقصف الإيراني خلال الحرب، وأن المجرى الملاحي لشط العرب ظل متأثراً بالسفن الغارقة حتى عمليات رفعها وتنظيف الممرات في سنوات لاحقة.[١٢]

ميناء المعقل

[عدل]

تأثر ميناء المعقل بالنزاع بسبب موقعه على شط العرب، واضطراب الملاحة وتضرر منشآت النقل والخزن.

وكانت صعوبة وصول السفن إلى الميناء أحد العوامل التي أثرت في النشاط التجاري للبصرة.

كما أدت الحرب إلى زيادة أهمية استخدام منافذ وطرق نقل بديلة بعيداً عن الجبهة.

ميناء أم قصر

[عدل]

اكتسب ميناء أم قصر أهمية إضافية خلال الحرب بسبب موقعه على خور الزبير واتصاله بالخليج العربي عبر ممرات ملاحية مختلفة عن شط العرب.

لكن استمرار الحرب في جنوب العراق جعل النشاط المينائي مرتبطاً أيضاً بالظروف الأمنية والعسكرية والقدرة على تأمين طرق النقل.

حرب الناقلات

[عدل]

امتدت الحرب العراقية الإيرانية إلى المياه الخليجية، حيث تعرضت ناقلات نفط وسفن تجارية لهجمات متبادلة، في ما عُرف باسم حرب الناقلات.

وتصاعدت هذه الهجمات خلال السنوات 1984–1988، وأثرت في حركة الملاحة والتأمين البحري وأسواق النفط والعلاقات الإقليمية.

وكانت البصرة أحد المراكز الاقتصادية العراقية المتأثرة بالحرب البحرية، بحكم اتصالها بالموانئ وقطاع النفط والنقل.

وقد ناقشت رسالة ماجستير نوقشت في جامعة البصرة سنة 2025 بعنوان «حرب ناقلات النفط وأثرها في تغيير مسار حرب الخليج الأولى 1980–1988» مراحل هذه الحرب وتداعياتها الاقتصادية والدبلوماسية، بما فيها التدخل الدولي المتزايد في الخليج.[١٣]

التعليم والمؤسسات العامة

[عدل]

أثرت الحرب في المؤسسات التعليمية والصحية والخدمية في مدينة البصرة.

وكانت المدارس والمؤسسات الحكومية تواجه تحديات ترتبط بالقصف والتعبئة العسكرية والانتقال السكاني.

كما أدت الحرب إلى زيادة الحاجة إلى المستشفيات والخدمات الطبية، مع تزايد أعداد المصابين من العسكريين والمدنيين.

جامعة البصرة

[عدل]

استمرت جامعة البصرة في أداء وظائفها التعليمية والبحثية خلال الحرب، لكنها تأثرت بالظروف الأمنية والاقتصادية العامة.

وشملت الآثار التي يمكن دراستها تاريخياً استدعاء الطلبة والموظفين للخدمة العسكرية، وصعوبة التنقل، والتغير في الموارد المخصصة للمؤسسات التعليمية.

كما شهدت الجامعة نشاطاً بحثياً تناول الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية، وهو ما تعكسه إصدارات مركز دراسات الخليج العربي والمجلات الأكاديمية في ثمانينيات القرن العشرين.

وتحتاج تفاصيل الأضرار التي أصابت الأبنية والأقسام الجامعية في كل سنة إلى وثائق مؤسسية خاصة بالجامعة، حتى لا تُنسب إليها أضرار غير موثقة.

المؤسسات الصحية

[عدل]

زادت الحرب من الحاجة إلى الخدمات الصحية والعلاجية في المحافظة.

وكانت المستشفيات تستقبل مصابين من الجبهة إلى جانب المرضى المدنيين.

كما فرض استمرار الحرب تحديات على توفير الأدوية والتجهيزات والعاملين، وعلى تنظيم نقل المصابين بين المستشفيات والمناطق العسكرية.

ولا تتوافر في المصادر المستخدمة إحصاءات شاملة تسمح بتحديد عدد جميع الجرحى الذين عولجوا في مستشفيات البصرة خلال سنوات الحرب الثماني.

الحياة العمرانية

[عدل]

أدت الحرب إلى تغيرات في المشهد العمراني للبصرة.

فقد تعرضت بعض المباني والمناطق السكنية للقصف، فيما انتشرت منشآت عسكرية وسواتر ونقاط دفاع في المناطق المحيطة بالمدينة.

كما أدى انتقال السكان من المناطق الحدودية إلى الداخل إلى تغير الطلب على السكن والخدمات.

الأحياء السكنية

[عدل]

شهدت بعض أحياء البصرة القريبة من المواقع العسكرية والمرافق الاقتصادية أضراراً نتيجة القصف.

وتشير التقارير الصحفية المعاصرة إلى تضرر منازل ومحال ومنشآت عامة خلال هجمات سنة 1987.

لكن توثيق الأضرار بحسب كل محلة يحتاج إلى سجلات بلدية وخرائط ومعلومات تفصيلية، لأن المصادر العسكرية والصحفية لا تقدم جرداً كاملاً لجميع الأحياء المتضررة.

أعمال الإعمار

[عدل]

شهدت المدينة خلال الحرب وبعد توقفها مشروعات لإزالة آثار الدمار وصيانة الخدمات.

وتناولت دراسات عمرانية لاحقة مشروعات إعادة البناء في البصرة، ومنها إزالة الأنقاض وإصلاح الطرق والمرافق وتنظيف الجداول.

لكن هذه الجهود لم تؤد إلى معالجة جميع الأضرار الزراعية والبيئية، خصوصاً في المناطق الحدودية التي شهدت تدميراً واسعاً.

وقف إطلاق النار سنة 1988

[عدل]

أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 598 في 20 تموز 1987، ودعا فيه العراق وإيران إلى وقف إطلاق النار وانسحاب القوات إلى الحدود المعترف بها دولياً.

لكن القتال استمر بعد صدور القرار، إلى أن وافق البلدان خلال صيف 1988 على ترتيبات وقف إطلاق النار.

وفي 20 آب 1988 دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بإشراف مجموعة مراقبي الأمم المتحدة العسكريين بين إيران والعراق، المعروفة باسم UNIIMOG.

وقد انتشرت فرق المراقبة الدولية لمتابعة توقف العمليات العسكرية وتحديد مواقع القوات على جانبي خطوط وقف النار.[١٤][١٥]

عودة الحياة المدنية

[عدل]

أدى وقف إطلاق النار إلى انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية حول البصرة.

وبدأت جهود لإصلاح المنشآت المتضررة وإزالة الأنقاض واستعادة بعض الأنشطة الاقتصادية.

لكن مناطق واسعة كانت لا تزال تعاني آثار الألغام وتدمير المساكن والبساتين والطرق.

كما واجهت بعض الأسر النازحة صعوبات في العودة بسبب فقدان الممتلكات وتراجع فرص العمل واستمرار الأضرار البيئية.

الآثار طويلة الأمد

[عدل]

لم تنتهِ آثار الحرب على البصرة بمجرد توقف العمليات العسكرية سنة 1988.

فقد بقيت مشكلات الألغام وتراجع الزراعة والنزوح وتضرر البنية التحتية تؤثر في مناطق المحافظة.

وتفاقمت بعض هذه الأوضاع بعد غزو الكويت سنة 1990 وحرب الخليج الثانية سنة 1991، ثم العقوبات الاقتصادية وما أعقبها من صراعات.

ولهذا ينبغي عند دراسة تاريخ البصرة المعاصر التمييز بين الآثار المباشرة للحرب العراقية الإيرانية والتطورات التي نتجت عن الحروب والسياسات اللاحقة.

تراجع إنتاج التمور

[عدل]

كان تدمير بساتين النخيل من أبرز الخسائر الاقتصادية والبيئية.

وقد أدى فقدان الأشجار وشبكات الري إلى تراجع إنتاج التمور، وإضعاف مصدر دخل رئيسي لكثير من الأسر الزراعية.

كما تضررت بعض الصناعات والأنشطة المرتبطة بالتمور والتعبئة والنقل والتجارة.

استمرار النزوح

[عدل]

لم تعد جميع الأسر التي غادرت المناطق الحدودية خلال الحرب إلى أماكن سكنها الأصلية.

وقد استقرت بعض الأسر بصورة دائمة في أحياء جديدة أو مناطق أخرى من المحافظة.

وأدى ذلك إلى تغيرات اجتماعية وعمرانية في الريف والمدينة، ظلت آثارها قائمة خلال العقود اللاحقة.[٤]

الحرب في الدراسات والأرشيفات

[عدل]

الموسوعات التاريخية

[عدل]

تناولت دائرة المعارف الإيرانية الحرب العراقية الإيرانية في دراسة للباحثة ساسكيا غيلينغ، ركزت على أسباب الحرب ومراحلها السياسية والعسكرية والنتائج العامة.

وتُعد الدراسة مفيدة لتحديد التسلسل الزمني للعمليات التي جرت بالقرب من البصرة، ولا سيما عملية رمضان سنة 1982 والسيطرة على الفاو سنة 1986.

دراسات التاريخ العسكري

[عدل]

تناول المؤرخ العسكري بيساح مالوفاني في كتاب «حروب بابل الحديثة: تاريخ الجيش العراقي 1921–2003» عمليات الجيش العراقي خلال الحرب، وخصص فصولاً مستقلة للهجمات الإيرانية في قطاع البصرة.

وتُعد هذه الدراسة مفيدة لفهم التنظيم العسكري والخطط الدفاعية العراقية، مع ضرورة مقارنتها بالدراسات الأخرى بسبب اختلاف مصادر الطرفين في تقديرات القوى والخسائر.

الوثائق الأممية

[عدل]

تضم الأمم المتحدة أرشيفاً واسعاً من القرارات والمراسلات وتقارير التحقيق المتعلقة بالحرب العراقية الإيرانية.

وتشمل الوثائق موضوعات قصف المدن واستخدام الأسلحة الكيميائية وحماية المدنيين والملاحة البحرية ووقف إطلاق النار.

لكن المراسلات الصادرة عن الحكومتين العراقية والإيرانية خلال الحرب تمثل مواقف وادعاءات رسمية لأطراف النزاع، ولا يجوز معاملتها جميعاً باعتبارها نتائج تحقيقات أممية مستقلة.

دراسات جامعة البصرة

[عدل]

تناولت جامعة البصرة الحرب في عدد من الدراسات التاريخية والسياسية والاقتصادية.

ومن المصادر المنشورة في مجلة الخليج العربي التابعة للجامعة بحوث عن العمليات العسكرية والعلاقات الدبلوماسية والتداعيات الاقتصادية للحرب.

كما نوقشت في كلية الآداب سنة 2025 رسالة ماجستير للباحث ناطق جاسم مكتوف عن حرب ناقلات النفط وأثرها في مسار الحرب.

وتوفر هذه الدراسات مادة مهمة لفهم تأثير الصراع في جنوب العراق، إلى جانب الوثائق الحكومية المحلية والصحف والأرشيفات العسكرية.[١٣]

الاختلافات في الروايات التاريخية

[عدل]

أهداف الهجمات الإيرانية

[عدل]

تتفق المصادر على أن البصرة كانت هدفاً استراتيجياً مهماً للهجمات الإيرانية بعد سنة 1982.

لكن الدراسات تختلف في تحديد ما إذا كان هدف كل عملية هو احتلال المدينة مباشرة، أو عزلها، أو قطع طرق الإمداد، أو استنزاف القوات العراقية.

ولذلك ينبغي دراسة أهداف عملية رمضان سنة 1982 بصورة منفصلة عن كربلاء 5 سنة 1987.

نتائج عملية كربلاء 5

[عدل]

تختلف الروايات العراقية والإيرانية في تقييم نتائج العملية.

فقد حققت القوات الإيرانية تقدماً موضعياً في بعض مواقع شرق البصرة، لكنها لم تتمكن من السيطرة على المدينة.

ولهذا لا يصح وصف العملية بأنها احتلال للبصرة، كما لا يصح إنكار جميع المكاسب الميدانية الإيرانية خلالها.

أعداد الضحايا

[عدل]

تختلف تقديرات القتلى والجرحى والأسرى بين المصادر بصورة كبيرة.

ولا تتوافر إحصاءات مستقلة ومكتملة تسمح بتحديد جميع ضحايا العمليات العسكرية في محافظة البصرة وحدها خلال سنوات الحرب الثماني.

كما أن الأرقام الوطنية المتعلقة بخسائر الجيشين لا تمثل بالضرورة أعداد ضحايا الجبهة الجنوبية.

الأضرار الزراعية

[عدل]

تورد دراسات متخصصة أرقاماً كبيرة عن أعداد النخيل المدمرة ومساحات البساتين المتضررة.

لكن تلك التقديرات تعتمد على مصادر وطرائق مختلفة، ويجب ربطها بالموقع والفترة الزمنية التي تغطيها.

ولا يمكن نسبة كل التراجع الزراعي الذي شهدته البصرة بعد سنة 1988 إلى الحرب وحدها، لأن عوامل المياه والملوحة والصراعات اللاحقة ساهمت أيضاً في استمرار التدهور.

الأهمية التاريخية

[عدل]

تُعد سنوات الحرب العراقية الإيرانية من أكثر المراحل تأثيراً في التاريخ الحديث للبصرة.

فقد تحولت المحافظة إلى واحدة من الجبهات العسكرية الرئيسية، وتعرض سكانها ومزارعها وموانئها ومناطقها السكنية إلى أضرار متواصلة.

كما أدت الحرب إلى تغيرات في توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية والحياة الاجتماعية، وأثرت في علاقة المدينة بمحيطها الزراعي والنهري.

وتساعد دراسة هذه المرحلة على تفسير جانب مهم من التحولات التي شهدتها البصرة خلال العقود اللاحقة، وخصوصاً تراجع إنتاج التمور، وتدهور بعض المناطق الحدودية، وانتشار مخلفات الحرب، واتساع الهجرة من الريف إلى المدينة.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية إضافية في توثيق تاريخ الأحياء والقرى والمواقع التي شهدت القتال، وحفظ الشهادات المحلية والوثائق والصور التي تساعد على إعادة بناء التاريخ الاجتماعي للحرب، إلى جانب تاريخها العسكري والسياسي.

انظر أيضًا

[عدل]

المراجع

[عدل]

قالب:مراجع

  1. ↑ ١٫٠ ١٫١ ١٫٢ ١٫٣ ١٫٤ ١٫٥ ١٫٦ Saskia M. Gieling, “IRAQ vii. Iran-Iraq War”, Encyclopaedia Iranica, Vol. XIII, Fascicle 6, pp. 572–581, 2006, updated 2012.
  2. ↑ ٢٫٠ ٢٫١ Pesach Malovany, Wars of Modern Babylon: A History of the Iraqi Army from 1921 to 2003, University Press of Kentucky, 2017, Chapter 10, “The Turning of the Wheel: The Beginning of the Iranian Offensive on Iraqi Soil—The First Basra Campaign (July 1982)”.
  3. ↑ ٣٫٠ ٣٫١ Encyclopaedia Iranica, “Iraq vii. Iran-Iraq War”; وانظر أيضاً: UPI Archives, “Iraq's Faw Offensive Surprised Tehran”, 20 April 1988.
  4. ↑ ٤٫٠ ٤٫١ ٤٫٢ ٤٫٣ ٤٫٤ ٤٫٥ حارث حسن، «Eden Denied: Environmental Decay, Illicit Activities, and Instability in Iraq’s Southern Border Area»، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 29 آذار 2022.
  5. ↑ Loren Jenkins, “Raids Hardly Stir Basra”, The Washington Post, 26 September 1980.
  6. ↑ Encyclopaedia Iranica, “Iraq vii. Iran-Iraq War”، القسم المتعلق بعملية رمضان في تموز 1982.
  7. ↑ ٧٫٠ ٧٫١ Patrick E. Tyler, “Iranian Shelling Inflames Sky, Pounds Iraqi City of Basra”, The Washington Post, 16 January 1987.
  8. ↑ الأمم المتحدة، Official Records of the Security Council, Forty-second Year, Supplement for January, February and March 1987, المراسلات العراقية والإيرانية المتعلقة بقصف المدن والضحايا المدنيين خلال كانون الثاني وشباط 1987.
  9. ↑ الأمم المتحدة، Report of the Mission Dispatched by the Secretary-General to Investigate Allegations of the Use of Chemical Weapons in the Conflict between the Islamic Republic of Iran and Iraq, الوثيقة S/18852، 8 أيار 1987.
  10. ↑ مجلس الأمن، «Resolution 612 (1988)»، 9 أيار 1988.
  11. ↑ مجلس الأمن، «Resolution 620 (1988)»، 26 آب 1988.
  12. ↑ Congressional Research Service, Iraq’s Economy: Past, Present, Future, 2003، القسم المتعلق بالموانئ والنقل والبنية التحتية.
  13. ↑ ١٣٫٠ ١٣٫١ جامعة البصرة، كلية الآداب، «رسالة ماجستير تناقش حرب ناقلات النفط وأثرها في تغيير مسار حرب الخليج الأولى 1980–1988»، الباحث ناطق جاسم مكتوف، 22 نيسان 2025.
  14. ↑ مجلس الأمن، «Resolution 598 (1987)»، 20 تموز 1987.
  15. ↑ الأمم المتحدة، «United Nations Iran-Iraq Military Observer Group (UNIIMOG): Background»، تاريخ مجموعة المراقبة الأممية وتنفيذ وقف إطلاق النار في 20 آب 1988.