انتقل إلى المحتوى

البصرة في الحرب العالمية الأولى

من موسوعة بصراوي
البصرة في الحرب العالمية الأولى
جنود من الجيش الهندي البريطاني يستقلون قوارب محلية في البصرة سنة 1915
جنود من الجيش الهندي البريطاني يستقلون قوارب محلية في البصرة سنة 1915. تصوير المقدم سي. أو. موس (C. O. Mosse)، متحف الحرب الإمبراطوري، الملكية العامة.
الحدث البصرة خلال الحرب العالمية الأولى
الفترة 1914–1918
الموقع البصرة وجنوب العراق
ضمن حملة بلاد الرافدين
السلطة السابقة الدولة العثمانية
القوة المهاجمة القوات البريطانية والهندية التابعة للإمبراطورية البريطانية
بداية العمليات العسكرية 6 تشرين الثاني 1914
احتلال الفاو 6 تشرين الثاني 1914
دخول البصرة 21–23 تشرين الثاني 1914
سقوط القرنة 9 كانون الأول 1914
معركة الشعيبة 12–14 نيسان 1915
نهاية الحرب 30 تشرين الأول – 11 تشرين الثاني 1918
أبرز القادة البريطانيين والتر ديلامين، آرثر باريت، جون نيكسون، تشارلز ميليس
أبرز القادة العثمانيين سليمان العسكري بك
أبرز المسؤولين السياسيين البريطانيين بيرسي كوكس
النتيجة انتهاء الحكم العثماني في البصرة وقيام إدارة احتلال بريطانية

البصرة في الحرب العالمية الأولى هي مرحلة من تاريخ البصرة الحديث امتدت بين عامي 1914 و1918، وشهدت انتقال المدينة ومناطق واسعة من جنوب العراق من الحكم العثماني إلى الاحتلال العسكري البريطاني، خلال العمليات التي عُرفت باسم حملة بلاد الرافدين، إحدى الحملات العسكرية في مسرح الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى.

بدأت العمليات العسكرية البريطانية في جنوب العراق بالسيطرة على الفاو عند مدخل شط العرب في 6 تشرين الثاني 1914، ثم تقدمت القوات البريطانية والهندية شمالاً عبر النهر، وخاضت مواجهات مع القوات العثمانية انتهت بدخول مدينة البصرة في 21 تشرين الثاني، وإقامة مراسم دخول رسمية في 23 تشرين الثاني من العام نفسه. واستمر التوسع العسكري باحتلال القرنة في كانون الأول 1914.[١]

وأصبحت البصرة قاعدة رئيسية للقوات البريطانية والهندية، ومركزاً للإمداد والنقل النهري والبحري، ونقطة انطلاق العمليات العسكرية نحو العمارة والناصرية والكوت ثم بغداد. كما شهدت مناطقها المحيطة واحدة من أهم محاولات استعادة المدينة من البريطانيين، وهي معركة الشعيبة في نيسان 1915، التي انتهت بانتصار القوات البريطانية والهندية على القوات العثمانية والمقاتلين المحليين المتحالفين معها.[٢]

ولم تقتصر آثار الحرب على العمليات العسكرية؛ فقد تغيرت الإدارة المحلية، وتوسعت المنشآت المينائية ووسائل النقل والخدمات اللازمة للجيوش، وشهد السكان تحولات اقتصادية واجتماعية وصحية تحت سلطة الاحتلال.

وتُعد هذه المرحلة من أهم الفترات التي تناولها المؤرخ العراقي حميد أحمد حمدان في كتابه «البصرة في عهد الاحتلال البريطاني 1914–1921»، الذي درس الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية السابقة للاحتلال، وحملاته العسكرية، ومواقف القوى المحلية، وتشكيل مؤسسات الإدارة المدنية البريطانية.[٣]

الخلفية التاريخية

[عدل]

البصرة في أواخر العهد العثماني

[عدل]

كانت البصرة خلال العقود السابقة للحرب العالمية الأولى مركز ولاية البصرة العثمانية، إحدى الوحدات الإدارية المهمة في الدولة العثمانية.

وقد ارتبطت الولاية بالملاحة في شط العرب والخليج العربي، وبالتجارة بين العراق والهند وبلاد فارس ومناطق شبه الجزيرة العربية.

وشهدت المدينة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين توسعاً في النشاط التجاري والإداري، ولا سيما في مناطق العشار والبصرة القديمة، مع استمرار دورها في تصدير التمور واستيراد السلع والمواد المصنعة.

كما امتدت العلاقات التجارية والاجتماعية من البصرة إلى مناطق الكويت والمحمرة والأحساء، التي اكتسبت أهمية إضافية خلال التنافس العثماني البريطاني على منطقة الخليج.

التحولات السياسية 1908–1914

[عدل]

شهدت الدولة العثمانية سنة 1908 عودة العمل بالدستور بعد الثورة التي قادتها حركة تركيا الفتاة، وصعود نفوذ جمعية الاتحاد والترقي.

وانعكست هذه التحولات على الحياة السياسية في البصرة، حيث ظهرت مواقف واتجاهات مختلفة تجاه سياسات الحكومة العثمانية المركزية.

وتناول المؤرخ حميد أحمد حمدان هذه الفترة في كتاب مستقل بعنوان «دراسة في تطور الأوضاع السياسية في البصرة 1908–1914»، الصادر عن جامعة البصرة سنة 1990.

وتتصل أهمية هذه المرحلة بكونها سبقت الاحتلال البريطاني مباشرة، وشهدت تطور التنظيمات والاتجاهات السياسية المحلية، إلى جانب استمرار التنافس الدولي على النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي في الخليج.[٤]

أهمية البصرة الاستراتيجية

[عدل]

احتلت البصرة موقعاً مهماً في الخطط البريطانية منذ ما قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى.

وكانت أهميتها مرتبطة بثلاثة عوامل رئيسية هي موقعها البحري، واتصالها بالمستعمرات البريطانية في الهند، وقربها من المصالح النفطية البريطانية في جنوب غرب بلاد فارس.

موقعها على شط العرب

[عدل]

يُعد شط العرب ممراً مائياً يصل جنوب العراق بالخليج العربي، ويوفر طريقاً للملاحة بين البصرة والموانئ الخارجية.

وكانت السيطرة على مجرى النهر والمواقع القريبة من مصبه ذات أهمية عسكرية، لأنها تسمح بحماية السفن وطرق الإمداد ومنع القوات المعادية من مهاجمة المنشآت والمواصلات البحرية.

ولهذا اكتسبت الفاو والقرنة ومناطق الضفاف النهرية أهمية كبيرة في العمليات العسكرية الأولى.

حماية المنشآت النفطية

[عدل]

كان من أبرز دوافع التدخل العسكري البريطاني حماية المنشآت النفطية التابعة لشركة النفط الأنجلو-فارسية، ولا سيما مصفاة عبادان الواقعة قرب شط العرب.

وقد اكتسب النفط أهمية متزايدة للبحرية البريطانية في السنوات التي سبقت الحرب، وأصبحت حماية المنشآت وخطوط نقل النفط جزءاً من الحسابات الاستراتيجية البريطانية.

ويؤكد التاريخ العسكري البريطاني الرسمي أن التخطيط الأولي للحملة ارتبط بحماية المنشآت النفطية والممرات البحرية عند رأس الخليج، قبل أن تتوسع أهداف العمليات باتجاه الداخل العراقي.[١][٢]

العلاقات التجارية مع الهند

[عدل]

ارتبطت البصرة بعلاقات تجارية واسعة مع الموانئ الهندية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

وكانت بريطانيا تدير مصالحها في الخليج من خلال شبكة من المؤسسات الدبلوماسية والعسكرية والتجارية المتصلة بحكومة الهند البريطانية.

وقد أثرت هذه العلاقات في طبيعة القوة العسكرية التي أُرسلت إلى جنوب العراق، إذ تألف معظم التشكيل الأول من وحدات الجيش الهندي البريطاني.

اندلاع الحرب العالمية الأولى

[عدل]

اندلعت الحرب العالمية الأولى في أوروبا في تموز 1914، ثم اتسعت لتشمل مناطق أخرى من العالم.

ودخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب دول المركز في أواخر تشرين الأول وبداية تشرين الثاني 1914.

وقد أدى دخولها إلى الحرب إلى فتح جبهات جديدة مع بريطانيا وحلفائها، من بينها جبهة بلاد الرافدين.

وكان البريطانيون قد بدأوا التحضير لإرسال قوات إلى رأس الخليج قبل الإعلان الرسمي عن حالة الحرب مع الدولة العثمانية، بسبب أهمية المصالح النفطية والبحرية في المنطقة.

وأُطلق على القوة العسكرية المتجهة إلى جنوب العراق اسم القوة الاستكشافية الهندية «د» أو Indian Expeditionary Force D.

وتولى العميد والتر ديلامين قيادة الطليعة الأولى، بينما تولى الفريق آرثر باريت قيادة الفرقة السادسة الهندية التي أصبحت نواة الحملة.[١]

التسلسل الزمني للأحداث

[عدل]
التاريخ الحدث
6 تشرين الثاني 1914 السيطرة البريطانية على الفاو
8–10 تشرين الثاني 1914 إنزال القوات البريطانية والهندية قرب السنية على شط العرب
15 تشرين الثاني 1914 مواجهة السيحان
17 تشرين الثاني 1914 مواجهة الساحل
21–23 تشرين الثاني 1914 دخول القوات البريطانية البصرة وإعلان الاحتلال
3–9 كانون الأول 1914 العمليات العسكرية في القرنة وانتهاء السيطرة العثمانية عليها
12–14 نيسان 1915 معركة الشعيبة
حزيران 1915 احتلال العمارة
تموز 1915 احتلال الناصرية
29 نيسان 1916 استسلام القوات البريطانية المحاصرة في الكوت
كانون الأول 1916 بدء هجوم بريطاني جديد من جنوب العراق
11 آذار 1917 احتلال بغداد
30 تشرين الأول 1918 توقيع هدنة مودروس مع الدولة العثمانية
تشرين الثاني 1918 انتهاء الحرب العالمية الأولى

وتستند التواريخ العسكرية الرئيسية إلى التاريخ الرسمي البريطاني للحملة والسجل الزمني للمتحف الوطني للجيش البريطاني.[١][٥]

احتلال الفاو في تشرين الثاني 1914

[عدل]

كانت الفاو أولى المناطق الرئيسية في جنوب العراق التي استهدفتها القوات البريطانية.

وتقع عند مدخل شط العرب، مما منحها أهمية استراتيجية في التحكم بالممرات المائية المؤدية إلى البصرة.

وفي 6 تشرين الثاني 1914، نفذت القوات البريطانية عملية عسكرية انتهت بالسيطرة على الموقع بعد مواجهة مع القوات العثمانية.

وقد ساعد الاستيلاء على الفاو على تأمين دخول السفن ونقل القوات والإمدادات عبر شط العرب.

كما أتاح للبريطانيين التقدم شمالاً باتجاه المراكز الدفاعية العثمانية الواقعة على ضفاف النهر.[١]

التقدم نحو مدينة البصرة

[عدل]

الإنزال في منطقة السنية

[عدل]

بعد السيطرة على الفاو، تقدمت القوات البريطانية والهندية باتجاه منطقة السنية الواقعة على شط العرب.

وجرت عمليات إنزال وتعزيز للقوات بين 8 و10 تشرين الثاني 1914.

وكانت المنطقة نقطة انطلاق للعمليات اللاحقة، نظراً إلى إمكان استخدام النهر لنقل الجنود والمؤن والمدفعية.

وقد واجهت القوات البريطانية تحديات مرتبطة بطبيعة الأرض والمجاري المائية، إضافة إلى مواقع القوات العثمانية التي حاولت إيقاف التقدم.

مواجهة السيحان

[عدل]

في 15 تشرين الثاني 1914، جرت مواجهة عسكرية قرب السيحان بين القوات البريطانية والهندية والقوات العثمانية.

وانتهت المواجهة بتراجع القوات العثمانية، مما سمح باستمرار التقدم نحو البصرة.

وقد جاءت المواجهة ضمن سلسلة عمليات استهدفت المواقع الدفاعية الواقعة جنوب المدينة.

مواجهة الساحل

[عدل]

وقعت مواجهة أخرى في 17 تشرين الثاني 1914 عند منطقة الساحل.

وتمكنت القوات البريطانية والهندية من إلحاق هزيمة بالقوات العثمانية المدافعة، مما أدى إلى تراجع خطوط الدفاع القريبة من البصرة.

وأصبح الطريق إلى المدينة أكثر انفتاحاً أمام القوات المتقدمة.

وقد تناول التاريخ العسكري البريطاني الرسمي مواجهتي السيحان والساحل بوصفهما من أهم العمليات التي سبقت دخول البصرة.[١]

سقوط البصرة في تشرين الثاني 1914

[عدل]

انسحاب القوات العثمانية

[عدل]

بعد الهزائم التي تعرضت لها القوات العثمانية جنوب البصرة، انسحبت التشكيلات المدافعة عن المدينة باتجاه الشمال.

وكانت القوات البريطانية قد اقتربت من البصرة بعد سلسلة من العمليات التي استمرت طوال النصف الأول من تشرين الثاني.

وتذكر المصادر العسكرية أن القوات البريطانية وصلت إلى البصرة في 21 تشرين الثاني 1914، بينما جرت مراسم الدخول الرسمية وإعلان السلطة البريطانية في 23 تشرين الثاني.

ولهذا تذكر بعض المصادر يوم 21 تشرين الثاني بوصفه تاريخ الوصول العسكري، في حين تعتمد أخرى 22 أو 23 تشرين الثاني عند الحديث عن احتلال المدينة وإعلان السيطرة عليها.[١]

الإعلان البريطاني

[عدل]

أصدرت السلطات البريطانية بيانات موجهة إلى السكان والوجهاء بعد دخول البصرة.

وسعت هذه البيانات إلى طمأنة الأهالي بشأن حماية الأمن والممتلكات، وتوضيح طبيعة السلطة الجديدة.

غير أن بعض الوثائق البريطانية الداخلية تكشف وجود اختلافات بين المسؤولين بشأن مستقبل المدينة؛ فقد رغب بعضهم في إعلان بقاء الاحتلال بصورة دائمة، بينما تحفظت الحكومة البريطانية على هذا الإعلان خلال الحرب لأسباب سياسية ودبلوماسية.

وتظهر هذه المسألة بوضوح في مراسلات بيرسي كوكس مع حكومة الهند ووزارة شؤون الهند في لندن خلال كانون الأول 1914.[٦]

أهمية سقوط المدينة

[عدل]

أدى احتلال البصرة إلى فقدان الدولة العثمانية أحد أهم مراكزها الإدارية والتجارية في جنوب العراق.

كما منح بريطانيا قاعدة عسكرية وميناءً يمكن استخدامهما لاستقبال القوات والإمدادات القادمة من الهند والخليج.

وأصبح احتلال البصرة نقطة البداية لتوسع العمليات البريطانية شمالاً، بعد أن كانت أهداف الحملة الأولى أكثر محدودية من الناحية الجغرافية.

احتلال القرنة

[عدل]

بعد السيطرة على البصرة، اتجهت القوات البريطانية شمالاً نحو القرنة.

وكانت القرنة موقعاً استراتيجياً بسبب وقوعها قرب ملتقى نهري دجلة والفرات، مما جعلها منطقة مؤثرة في الملاحة والمواصلات بين جنوب العراق والمناطق الشمالية.

وشهدت المنطقة عمليات عسكرية بين 3 و9 كانون الأول 1914.

وانتهت المعركة باستسلام القوات العثمانية المدافعة عن القرنة، وتعزيز السيطرة البريطانية على الطرق النهرية المؤدية إلى البصرة.

وقد ساعد احتلال القرنة على توسيع المنطقة التي تؤمّنها القوات البريطانية حول البصرة، لكنه لم ينهِ القدرة العثمانية على تنفيذ هجمات مضادة خلال السنة التالية.[٧]

المقاومة المحلية للغزو البريطاني

[عدل]

لم يكن موقف سكان البصرة وجنوب العراق موحداً خلال دخول القوات البريطانية.

فقد شاركت جماعات محلية وعشائرية في مقاومة التقدم البريطاني، بينما اتخذت جماعات أخرى مواقف مختلفة تأثرت بعلاقاتها مع الحكومة العثمانية ومصالحها التجارية والقبلية والسياسية.

وكانت العشائر من القوى المهمة في جنوب العراق، وامتلكت معرفة واسعة بالطرق والأهوار والمجاري المائية.

مشاركة العشائر

[عدل]

ساهم مقاتلون من عشائر مناطق المنتفق والفرات الأوسط والبصرة في العمليات التي جرت ضد القوات البريطانية.

وتفاوتت أشكال المشاركة بين القتال المباشر وتوفير المساندة والنقل والإمدادات.

وتناول بحث بعنوان «دور العشائر العربية في التصدي للغزو البريطاني للواء البصرة 1914–1915م» للباحثة نور إبراهيم نجم دور هذه الجماعات في المقاومة، مع اهتمام خاص بالعمليات التي سبقت معركة الشعيبة وأحداث المعركة نفسها.[٨]

مواقف القيادات المحلية

[عدل]

عمل البريطانيون على الاستفادة من علاقاتهم السابقة ببعض الحكام والشيوخ المحليين في الخليج والعراق والمناطق المجاورة.

وفي المقابل، سعت السلطات العثمانية إلى تعبئة الأنصار والمتطوعين لمواجهة القوات المهاجمة.

وقد أدى ذلك إلى تباين مواقف القيادات المحلية، فلا يمكن اعتبار جميع العشائر مؤيدة للعثمانيين أو للبريطانيين بصورة مطلقة.

وتُعد دراسة هذه العلاقات ضرورية لفهم طبيعة الحرب في جنوب العراق، لأنها لم تكن مواجهة بين جيشين نظاميين فقط.[٣]

موقف المؤسسات الدينية

[عدل]

أثارت العمليات البريطانية في جنوب العراق ردود فعل لدى علماء ومؤسسات دينية في مدن عراقية مختلفة.

وشملت هذه المواقف إصدار فتاوى وبيانات تدعو إلى مقاومة الاحتلال، وحث الجماعات المحلية على المشاركة في القتال.

وقد تناولت دراسة منشورة في مجلة كلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة ذي قار موقف أهالي الكاظمية من الاحتلال البريطاني للبصرة بين 1914 و1915، ودور العلماء والمؤسسات الدينية في التعبئة ضد القوات البريطانية.[٩]

معركة الشعيبة سنة 1915

[عدل]

تُعد معركة الشعيبة من أبرز المعارك التي شهدتها منطقة البصرة خلال الحرب العالمية الأولى.

وقعت المعركة بين 12 و14 نيسان 1915 قرب منطقة الشعيبة، جنوب غرب مدينة البصرة.

وكانت العملية جزءاً من محاولة عثمانية لاستعادة السيطرة على البصرة وطرد القوات البريطانية والهندية منها.

القوات المشاركة

[عدل]

قاد الهجوم العثماني سليمان العسكري بك، الذي تولى تنظيم القوات العثمانية والمتطوعين المحليين في جنوب العراق.

وضمت القوات المهاجمة تشكيلات نظامية عثمانية ومجموعات من المقاتلين المحليين، فيما دافعت عن الشعيبة قوات بريطانية وهندية.

وتولى الجنرال البريطاني تشارلز ميليس دوراً بارزاً في إدارة الدفاع والهجوم المضاد خلال المعركة.

وكانت المنطقة المحيطة بالشعيبة قد تأثرت بالفيضانات الموسمية، مما صعّب حركة القوات ووسائل النقل.[١٠][١١]

سير المعركة

[عدل]

بدأ الهجوم العثماني في 12 نيسان، واشتدت المواجهات خلال اليومين التاليين.

وقد واجه المدافعون البريطانيون والهنود ضغطاً عسكرياً كبيراً، لكنهم تمكنوا من الاحتفاظ بمواقعهم الأساسية وتنظيم هجوم مضاد.

وتصف الوثائق العسكرية البريطانية القتال بأنه كان شديداً، كما تذكر صعوبات واجهت القوات بسبب الفيضانات ونقص الذخيرة في بعض مراحل المواجهة.

وانتهت المعركة بتراجع القوات العثمانية والمقاتلين المساندين لها، وفشل محاولة استعادة البصرة.

نتائج المعركة

[عدل]

عزز الانتصار البريطاني في الشعيبة السيطرة على مدينة البصرة والمناطق المحيطة بها، وقلل خطر وقوع هجوم عثماني مباشر على المدينة خلال المرحلة التالية.

كما أحدثت الهزيمة أثراً كبيراً في القيادة العثمانية، وتذكر المصادر أن سليمان العسكري بك أنهى حياته بعد الهزيمة.

ويورد المتحف الوطني للجيش البريطاني تقديرات تقارب 2400 إصابة وخسارة بشرية في الجانب العثماني، مقابل نحو 1000 في الجانب البريطاني والهندي.

وتُعد هذه تقديرات عسكرية للخسائر تشمل القتلى والجرحى وغيرهم بحسب سجلات الطرفين، وليست إحصاءات مستقلة لعدد القتلى وحدهم.[١٢]

البصرة قاعدة للتوسع العسكري

[عدل]

بعد فشل الهجوم العثماني على الشعيبة، توسعت العمليات البريطانية شمالاً.

وأصبحت البصرة القاعدة الأساسية التي تنطلق منها القوات والإمدادات عبر دجلة والفرات والمجاري المائية الأخرى.

احتلال العمارة

[عدل]

تقدمت القوات البريطانية والهندية شمالاً عبر نهر دجلة باتجاه العمارة.

وفي أوائل حزيران 1915، تمكنت من احتلال المدينة، مما أدى إلى توسيع نفوذها على الطريق النهري المؤدي من البصرة إلى وسط العراق.

احتلال الناصرية

[عدل]

شهدت منطقة الناصرية عمليات عسكرية خلال صيف 1915، انتهت بسيطرة القوات البريطانية عليها في تموز من السنة نفسها.

وكانت الناصرية مركزاً مهماً على نهر الفرات، وأتاح احتلالها توسيع المجال الخاضع للسيطرة البريطانية غرباً وشمالاً.

التقدم نحو الكوت

[عدل]

واصلت القوات البريطانية التقدم باتجاه الكوت، التي احتلتها في أيلول 1915.

ثم حاولت التقدم نحو بغداد، لكنها تعرضت لمقاومة عثمانية قوية قرب المدائن في تشرين الثاني 1915.

وأدت هذه العمليات إلى توسع الجبهة على نحو تجاوز الأهداف المحدودة للحملة في بدايتها، وهو ما وضع ضغوطاً متزايدة على مرافق النقل والإمداد في البصرة.[٢]

البصرة وأحداث الكوت سنة 1916

[عدل]

كان لحصار الكوت واستسلام القوات البريطانية فيها أثر كبير في تطور الحملة العسكرية.

فبعد فشل الهجوم البريطاني قرب المدائن سنة 1915، انسحبت القوات بقيادة الجنرال تشارلز تاونسند إلى الكوت، حيث حاصرتها القوات العثمانية.

واستمر الحصار عدة أشهر، قبل استسلام الحامية البريطانية والهندية في 29 نيسان 1916.

وشكل الاستسلام واحدة من أبرز الهزائم البريطانية خلال الحرب في بلاد الرافدين.

أثر الهزيمة في البصرة

[عدل]

أدت الهزيمة إلى إعادة تقييم نظام القيادة والإمداد والتموين والمرافق الطبية.

وأصبحت البصرة مركزاً لتجميع التعزيزات وإعادة تنظيم القوات، بدلاً من استخدامها قاعدة لانطلاق هجوم سريع نحو بغداد.

كما أعادت السلطات العسكرية النظر في وسائل النقل النهري وتجهيز السفن والمنشآت المينائية والمستشفيات.

وقد قضت القوات البريطانية جزءاً كبيراً من سنة 1916 في إعادة بناء قدراتها العسكرية واللوجستية قبل استئناف التقدم شمالاً.[٢]

الإدارة البريطانية في البصرة

[عدل]

بدأت السلطات البريطانية بعد الاحتلال بتشكيل جهاز لإدارة المدينة وضواحيها، تحت إشراف القيادة العسكرية والمسؤولين السياسيين التابعين لحكومة الهند البريطانية.

وكان الهدف المعلن للإدارة المحافظة على النظام العام وتأمين المرافق والخدمات، في حين كانت المدينة خاضعة لسلطة الاحتلال العسكري.

بيرسي كوكس

[عدل]

برز اسم بيرسي كوكس بين أبرز المسؤولين البريطانيين الذين تولوا إدارة الشؤون السياسية في جنوب العراق.

وكان كوكس مرتبطاً بالمصالح البريطانية في الخليج قبل الحرب، وأدى دوراً في الاتصال بالحكام المحليين والوجهاء وتنظيم الإدارة المدنية في المناطق المحتلة.

وتكشف مراسلاته عن محاولات بناء سلطة إدارية تستطيع إدارة الضرائب والأمن والمرافق، مع ضمان استمرار العمليات العسكرية.

الشرطة والأمن

[عدل]

أعادت السلطات البريطانية تنظيم بعض أجهزة الشرطة والأمن في المدينة.

كما أصدرت تعليمات تتعلق بحيازة الأسلحة وتنقل الأشخاص ومراقبة بعض الأنشطة التجارية.

وكانت مسائل الأمن من الموضوعات التي ناقشتها المراسلات بين حكومة الهند والقيادة العسكرية البريطانية في البصرة.

المؤسسات الإدارية

[عدل]

شملت جهود الإدارة الجديدة تنظيم الشؤون المالية والصحية والبلدية والسجون وبعض الخدمات العامة.

وتضم المكتبة الرقمية القطرية ملفاً أرشيفياً بعنوان «إدارة البصرة»، يتضمن مراسلات عن الإدارة المدنية للمدينة وضواحيها بعد الاحتلال، وشؤون الشرطة والموظفين والإنفاق الصحي والإداري.

ويُعد هذا الملف من المصادر الأولية المهمة لدراسة الإجراءات التي ناقشتها السلطات البريطانية وأقرتها خلال السنوات الأولى للاحتلال.[١٣]

مستقبل البصرة في السياسة البريطانية

[عدل]

أثارت مسألة مستقبل البصرة خلافات في أوساط المسؤولين البريطانيين منذ الأسابيع الأولى للاحتلال.

فقد رأى عدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين ضرورة الإبقاء على السيطرة البريطانية، بسبب أهمية المدينة الاستراتيجية والاقتصادية.

لكن إعلان ضمها أو الاحتلال الدائم خلال الحرب كان يثير صعوبات دبلوماسية تتعلق بالتفاهمات بين بريطانيا وحلفائها.

مراسلات كانون الأول 1914

[عدل]

تظهر وثائق محفوظة في المكتبة البريطانية أن بيرسي كوكس طلب السماح بإعلان استمرار الاحتلال بصورة دائمة.

وفي 9 كانون الأول 1914، تحفظت الجهات الحكومية البريطانية على إصدار إعلان رسمي بهذا المعنى، معتبرة أن التسوية النهائية للأراضي ينبغي أن تنتظر نهاية الحرب.

كما تضمنت المراسلات اللاحقة نقاشاً بشأن إمكان طمأنة الحكام والسكان المحليين شفهياً إلى عدم إعادة البصرة للسيادة العثمانية.

وتكشف هذه الوثائق الفارق بين طبيعة الاحتلال العسكري القائم وبين الخيارات السياسية التي كانت الحكومة البريطانية تبحثها بشأن مستقبل المنطقة.[٦]

ميناء البصرة خلال الحرب

[عدل]

كانت المرافق المينائية إحدى أهم المنشآت التي اعتمدت عليها القوات البريطانية والهندية.

وقد أدت زيادة أعداد الجنود والسفن وكميات المعدات إلى ظهور مشكلات كبيرة في التفريغ والخزن والنقل النهري.

صعوبات الشحن والتفريغ

[عدل]

واجهت القوات البريطانية صعوبات في استخدام المرافق الموجودة في البصرة لاستقبال الكميات الكبيرة من الأسلحة والذخيرة والمؤن.

وكانت بعض عمليات التفريغ تتم في عرض شط العرب، مما استلزم استخدام القوارب والوسائل الصغيرة لنقل المواد إلى الضفاف والمخازن.

كما ساهمت محدودية التجهيزات الفنية والآليات في تأخير وصول الإمدادات إلى الجبهات.

زيارة اللورد هاردنك

[عدل]

زار نائب الملك البريطاني في الهند اللورد هاردنك البصرة في شباط 1915، للاطلاع على الأوضاع العسكرية والإدارية.

وتناول خلال الزيارة المشكلات المتعلقة بتنظيم قاعدة الإمداد ومرافق الميناء وحركة النقل.

وقد تزامنت هذه الفترة مع فيضانات أثرت في ضفاف شط العرب والمناطق المحيطة، وزادت صعوبة الحركة العسكرية والنقل.[١٤]

جورج بوكانان

[عدل]

كان المهندس البريطاني جورج بوكانان من الشخصيات التي ارتبط اسمها بإعادة تنظيم مرافق ميناء البصرة والنقل النهري خلال الحرب.

وقد وصل إلى البصرة في نهاية كانون الأول 1915 أو مطلع كانون الثاني 1916، وفق اختلاف طريقة تسجيل تاريخ الوصول في الوثائق والدراسات.

وتولت الجهات البريطانية مناقشة مشروعات لتنظيم الشحن والتفريغ وصيانة المجاري المائية وتطوير مرافق النقل.

وتكشف وثيقة بريطانية عن وصول بوكانان إلى البصرة في 1 كانون الثاني 1916، واجتماعه بالمسؤولين لتحديد واجباته وأولويات العمل، ولا سيما الاحتياجات العسكرية العاجلة.[١٥]

أهمية المعقل

[عدل]

اكتسبت منطقة المعقل أهمية متزايدة خلال سنوات الحرب، بسبب قربها من شط العرب وإمكان استخدامها لتطوير المنشآت المينائية وقاعدة النقل والإمداد.

وقد ارتبطت بعض مشروعاتها بالتوسع العسكري البريطاني وبالحاجة إلى تحسين حركة البضائع والمعدات.

وتُعد مشروعات هذه المرحلة من المقدمات التاريخية لتطور ميناء المعقل في السنوات اللاحقة، مع ضرورة عدم الخلط بين المنشآت التي بدأ العمل عليها أثناء الحرب والمشروعات التي اكتملت بعد انتهائها.[١٤]

النقل والمواصلات

[عدل]

النقل النهري

[عدل]

كانت الأنهار أهم وسائل نقل القوات والمؤن خلال الحملة البريطانية في جنوب العراق.

واستخدمت القوات سفناً بخارية وقوارب محلية ومراكب ذات غاطس ضحل تستطيع التحرك في بعض المجاري المائية.

وكانت حركة النقل تتأثر بمستويات المياه والتيارات والفيضانات ونقص السفن المناسبة.

القوارب المحلية

[عدل]

استعانت القوات بالمراكب المحلية المعروفة باسم البلام وغيرها من القوارب المستخدمة في البصرة.

وتظهر صور أرشيفية من سنة 1915 جنوداً من الجيش الهندي البريطاني وهم يستقلون هذه القوارب، مما يوثق استمرار استعمال وسائل النقل المحلية ضمن النظام العسكري الجديد.[١٦]

الطرق البرية

[عدل]

اعتمدت القوات كذلك على النقل البري بالعربات والحيوانات، ولا سيما الخيول والبغال، في المناطق التي يصعب الوصول إليها بالسفن.

وقد أثرت الظروف المناخية وطبيعة التربة والفيضانات في كفاءة الطرق وحركة القوات.

السكك الحديدية

[عدل]

ظهرت خلال الحرب مقترحات ومشروعات مرتبطة باستخدام السكك الحديدية لتخفيف الضغط على النقل النهري.

وتناولت المراسلات البريطانية إمكان تطوير خطوط نقل برية بين البصرة وبعض مراكز العمليات العسكرية.

وقد اختلف المسؤولون بشأن الجدوى العسكرية والتجارية لبعض المشروعات، كما توضح الدراسات المتعلقة بجورج بوكانان وإدارة الميناء.[١٤]

الخدمات الصحية أثناء الحرب

[عدل]

كانت الأوضاع الصحية من التحديات الرئيسية التي واجهت القوات البريطانية والهندية وسكان المناطق التي شهدت العمليات العسكرية.

وقد ساهم المناخ الحار ونقص المياه النظيفة والفيضانات والحشرات ومحدودية المنشآت الطبية في زيادة انتشار الأمراض والمشكلات الصحية.

المستشفيات العسكرية

[عدل]

أُنشئت أو استُخدمت منشآت طبية لعلاج الجنود المصابين والمرضى، وأصبحت البصرة مركزاً لاستقبال الجرحى المنقولين من الجبهات الشمالية.

لكن الإمكانات الطبية لم تكن دائماً متناسبة مع أعداد المرضى والمصابين.

ويذكر المتحف الوطني للجيش البريطاني أن حملة بلاد الرافدين شهدت مشكلات صحية خطيرة، وأن عدداً من الجرحى تأخر نقلهم وعلاجهم بسبب نقص وسائل النقل والخدمات الطبية.[٢]

الإدارة الصحية المدنية

[عدل]

تناولت السلطات البريطانية تنظيم المؤسسات الصحية المدنية في البصرة والعشار.

وتظهر مراسلات سنة 1915 مقترحات لتجهيز مستشفى مدني صغير يضم بين عشرة وعشرين سريراً، وإنشاء أو دعم مستوصفات ومرافق للعزل والعلاج.

كما تضمنت المقترحات توفير خدمات صحية في منطقة العشار، وتخصيص موارد للأطباء والمفتشين الصحيين.

ويجب التمييز بين المشروعات المقترحة في المراسلات والمرافق التي ثبت اكتمال تشغيلها، لأن الوثائق المتعلقة بالتخطيط والميزانية لا تعني بالضرورة تنفيذ جميع المنشآت المذكورة فيها.[١٧]

الأوبئة والأمراض

[عدل]

كانت الأمراض المعوية والملاريا وغيرها من الأمراض المرتبطة بالمياه والحشرات من المشكلات الصحية التي واجهت سكان المنطقة والجيوش.

وقد تطلب ذلك إجراءات متعلقة بتنقية المياه ومكافحة الحشرات وتحسين الصرف الصحي وتنظيم العلاج.

وكان انتشار الأمراض أحد العوامل التي زادت كلفة الحملة العسكرية، إلى جانب الخسائر الناجمة عن المعارك.

الحياة الاقتصادية خلال الحرب

[عدل]

أحدث الاحتلال والحرب تغيرات في النشاط الاقتصادي للبصرة، نتيجة التحولات العسكرية والإدارية والتجارية.

التجارة الخارجية

[عدل]

كانت البصرة قبل الحرب منفذاً للتجارة بين العراق والخليج والهند.

وقد تأثرت حركة التجارة بالحرب وإجراءات الرقابة على الملاحة وتحويل جزء كبير من مرافق النقل لخدمة الجيوش.

وأصبحت السفن والمخازن والمرافق المينائية تعمل تحت إشراف السلطات العسكرية والإدارية البريطانية، مع استمرار بعض الأنشطة التجارية المدنية.

الزراعة والتمور

[عدل]

كانت بساتين النخيل المنتشرة على ضفاف شط العرب من أهم مصادر الإنتاج الزراعي في جنوب العراق.

وشهدت مناطق مثل أبو الخصيب والهارثة والفاو نشاطاً زراعياً ارتبط بإنتاج التمور والمحاصيل الأخرى.

وقد تأثرت الأنشطة الزراعية بظروف الحرب والنقل والتجارة وتغير الإدارة، لكن تقدير حجم الخسائر الزراعية يتطلب الرجوع إلى سجلات إنتاج وتصدير خاصة بالسنوات المعنية.

العمل والخدمات

[عدل]

أدى التوسع العسكري إلى زيادة الطلب على بعض الخدمات والعمالة المرتبطة بالنقل والموانئ والمخازن والورش.

وفي الوقت نفسه، فرضت الحرب ضغوطاً على الموارد والخدمات العامة وحركة السكان.

ولا يصح اعتبار التوسع في المنشآت العسكرية دليلاً بحد ذاته على تحسن المستوى المعيشي لجميع سكان البصرة، لأن ظروف العمل والأسعار والخدمات كانت متفاوتة بين الفئات والمناطق.

المجتمع البصري خلال الحرب

[عدل]

تأثر المجتمع المحلي في البصرة بالوجود العسكري الأجنبي وتبدل المؤسسات الحكومية وامتداد المعارك إلى مناطق قريبة من المدينة.

وكانت الأحياء التجارية والسكنية، ومنها البصرة القديمة والعشار، على اتصال بالمرافق الجديدة التي أقامتها سلطات الاحتلال.

كما شهدت بعض المناطق الريفية والنهرية آثار العمليات العسكرية وحركة الجنود والتعبئة المحلية.

التجار والوجهاء

[عدل]

كان للتجار والوجهاء المحليين دور في العلاقة بين السكان والإدارة البريطانية.

وقد سعت سلطات الاحتلال إلى بناء علاقات مع شخصيات محلية تستطيع المساهمة في استقرار المدينة وتنظيم الحياة اليومية.

لكن مواقف هذه الشخصيات اختلفت تبعاً للعلاقات السابقة والمصالح الاقتصادية والسياسية والظروف العسكرية.

السكان المدنيون

[عدل]

واجه سكان المدينة والقرى المحيطة تغيرات في الأمن والخدمات والعمل والتجارة.

كما أدت العمليات العسكرية إلى تحركات سكانية في بعض المناطق، وإلى تغير في النشاط الاقتصادي عند الجبهات ومراكز الإمداد.

ولا تتوافر بيانات شاملة تسمح بتحديد أعداد دقيقة للمدنيين الذين تعرضوا للنزوح أو فقدوا أعمالهم أو ممتلكاتهم خلال كامل الفترة 1914–1918.

التأثير الثقافي والإداري

[عدل]

أدى دخول موظفين وعسكريين من بريطانيا والهند إلى توسع الاتصال بين البصرة وشبكات الإدارة العسكرية الاستعمارية.

كما فرضت السلطات الجديدة أنظمة وتعليمات إدارية أثرت في عمل المؤسسات المحلية.

وأصبحت هذه التحولات جزءاً من المرحلة التي سبقت نشوء مؤسسات الدولة العراقية الحديثة بعد الحرب.

البصرة خلال عام 1917

[عدل]

شهد عام 1917 تطورات عسكرية وسياسية مهمة في العراق.

فبعد إعادة تنظيم القوات البريطانية خلال سنة 1916، استؤنفت العمليات شمالاً بقيادة الجنرال فريدريك مود.

وقد أدى تحسين الإمدادات والنقل والتجهيزات الطبية إلى زيادة قدرة القوات على تنفيذ عمليات أوسع.

احتلال بغداد

[عدل]

تمكنت القوات البريطانية من دخول بغداد في 11 آذار 1917.

وشكل ذلك تحولاً رئيسياً في مسار حملة بلاد الرافدين، بعد الهزيمة التي تعرضت لها بريطانيا في الكوت سنة 1916.

ورغم انتقال العمليات الرئيسية إلى مناطق أبعد شمالاً، استمرت البصرة في أداء دور قاعدة للإمداد والنقل واستقبال القوات والمواد.

استمرار أهمية الميناء

[عدل]

ساعد وجود قاعدة بحرية ونهرية في البصرة على استمرار نقل الإمدادات إلى الجبهات الشمالية.

وظلت مرافق الميناء والمخازن والورش ووسائل النقل جزءاً من النظام العسكري البريطاني في العراق.

وكانت البصرة، بحكم موقعها، حلقة اتصال بين العمليات العسكرية الداخلية والطرق البحرية القادمة من الهند والخليج.[٢]

البصرة في السنة الأخيرة من الحرب

[عدل]

خلال سنة 1918، ظلت البصرة خاضعة للإدارة البريطانية، بينما استمرت العمليات العسكرية في مناطق أخرى من العراق.

وكانت القوات البريطانية قد عززت سيطرتها على بغداد ومناطق واسعة من البلاد.

وشهدت الأشهر الأخيرة من الحرب تقدماً بريطانياً جديداً، قبل انتهاء القتال مع الدولة العثمانية.

هدنة مودروس

[عدل]

في 30 تشرين الأول 1918، وقعت الدولة العثمانية هدنة مودروس مع دول الحلفاء، مما أنهى مشاركتها العسكرية في الحرب العالمية الأولى.

وبذلك انتهت المرحلة الرئيسية من القتال العثماني البريطاني في العراق.

غير أن انتهاء الحرب لم يؤد إلى انسحاب القوات البريطانية من البصرة؛ فقد استمر الاحتلال والإدارة البريطانية في السنوات التالية.[٢]

نهاية الحرب واستمرار الاحتلال

[عدل]

لم تكن نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918 نهاية الوجود البريطاني في البصرة.

فقد استمرت المدينة تحت سلطة الاحتلال خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت الحرب، ثم أصبحت جزءاً من الترتيبات السياسية التي أدت إلى تأسيس المملكة العراقية سنة 1921.

وتناولت دراسة حميد أحمد حمدان السنوات 1914–1921 بوصفها فترة مترابطة، لأن التطورات السياسية والإدارية التي أعقبت الحرب كانت امتداداً مباشراً لعملية الاحتلال التي بدأت في تشرين الثاني 1914.

كما ساهم استمرار الحكم البريطاني في العراق في تصاعد المعارضة السياسية التي ظهرت في مراحل لاحقة، ولا سيما قبيل ثورة العشرين.[٣]

النتائج التاريخية للحرب على البصرة

[عدل]

انتهاء الحكم العثماني

[عدل]

أنهى الاحتلال البريطاني الحكم العثماني الفعلي في مدينة البصرة سنة 1914.

وكان ذلك تحولاً كبيراً في التاريخ الإداري والسياسي للمدينة، بعد قرون من الارتباط بالدولة العثمانية بأشكال مختلفة من الحكم والتبعية.

قيام إدارة احتلال جديدة

[عدل]

أدى الاحتلال إلى تأسيس أجهزة إدارية وأمنية وصحية جديدة، وإعادة تنظيم بعض المؤسسات المحلية وفق متطلبات الإدارة البريطانية.

وقد أصبحت هذه المؤسسات جزءاً من التطورات التي سبقت تأسيس الإدارة العراقية خلال العهد الملكي.

تحول البصرة إلى قاعدة عسكرية كبرى

[عدل]

شهدت البصرة توسعاً في دورها العسكري بوصفها مركزاً لاستقبال القوات وإدارة النقل والإمداد.

وكانت الموانئ وطرق الملاحة في شط العرب من أهم أسباب استمرار أهميتها خلال سنوات الحملة.

تغير المرافق الاقتصادية

[عدل]

ارتبط تطوير الميناء والنقل والخدمات أثناء الحرب بالحاجات العسكرية البريطانية.

وقد ساعدت بعض الأعمال على تحديث المرافق والبنية التحتية، لكن أثرها الاقتصادي والاجتماعي اختلف بين الأنشطة والسكان.

التأثير السياسي في جنوب العراق

[عدل]

أسهمت الحرب في تغيير توازن القوى بين الحكومة المركزية والقيادات المحلية والعشائر والمؤسسات الدينية.

كما أثرت في علاقة جنوب العراق ببريطانيا وبالدولة التي تشكلت لاحقاً.

البصرة في الأرشيف العسكري والبصري

[عدل]

تحتفظ مؤسسات عراقية وبريطانية ودولية بمواد تساعد على دراسة تاريخ البصرة خلال الحرب العالمية الأولى.

الأرشيف البريطاني

[عدل]

تضم سجلات المكتبة البريطانية وثائق عن الإدارة العسكرية والمدنية للبصرة، والعمليات القتالية والميناء والصحة والمواصلات.

وتتيح المكتبة الرقمية القطرية الوصول إلى صور رقمية من هذه الملفات، ومنها وثائق إدارة البصرة والتخطيط للميناء والمراسلات المتعلقة بمستقبل المدينة.

كما يحتفظ متحف الحرب الإمبراطوري بمجموعة من الصور التاريخية التي توثق الجنود والمرافق والمشاهد اليومية خلال الحملة.

مركز دراسات البصرة والخليج العربي

[عدل]

نشر مركز دراسات البصرة والخليج العربي في جامعة البصرة أعمالاً متخصصة عن تاريخ المدينة خلال الاحتلال البريطاني.

ومن أبرز هذه الأعمال كتاب حميد أحمد حمدان «البصرة في عهد الاحتلال البريطاني 1914–1921»، الذي أصدره المركز سنة 1979.

ويمثل الكتاب مرجعاً مهماً لدراسة الأوضاع المحلية، لاهتمامه بالمصالح البريطانية السابقة للحرب، والمواقف السياسية والاجتماعية، والمعارك، والإدارة المدنية، والتطورات التي أعقبت الاحتلال.

الدراسات العسكرية الرسمية

[عدل]

يُعد كتاب «حملة بلاد الرافدين 1914–1918» للمؤرخ العسكري البريطاني فريدريك جيمس موبرلي من أبرز المصادر التفصيلية لتسلسل العمليات العسكرية.

وقد صدر مجلده الأول سنة 1923 بالاعتماد على الوثائق العسكرية الرسمية.

وتناول التخطيط للحملة والإنزال في الفاو والتقدم نحو البصرة واحتلال القرنة ومعركة الشعيبة والعمليات اللاحقة.

لكن الكتاب يعكس أساساً الوثائق والمنظور العسكري البريطاني، ولذلك تكتمل الاستفادة منه بمقارنته بالدراسات العراقية والوثائق العثمانية والمصادر المحلية.

الأهمية التاريخية

[عدل]

تُمثل الحرب العالمية الأولى مرحلة مفصلية في تاريخ البصرة الحديث، لأنها شهدت نهاية نظام إداري استمر في المدينة خلال أواخر العهد العثماني، وبداية إدارة احتلال بريطانية غيرت العلاقات السياسية والاقتصادية في المنطقة.

كما تكشف أحداث 1914–1918 عن أهمية موقع البصرة الجغرافي في السياسة الدولية، ودور النفط والموانئ والملاحة في القرارات العسكرية.

وتوضح المعارك التي شهدتها الفاو والقرنة والشعيبة العلاقة بين الحرب النظامية والمقاومة المحلية، وأثر العشائر والمجتمعات النهرية والريفية في مسار الأحداث.

أما دراسة الإدارة المدنية والميناء والخدمات الصحية، فتساعد على فهم الظروف التي سبقت تأسيس المؤسسات العراقية الحديثة.

وتُعد هذه المرحلة مدخلاً أساسياً لدراسة تاريخ البصرة خلال الاحتلال البريطاني والعهد الملكي، والعلاقة بين التطورات العسكرية العالمية والتحولات المحلية في جنوب العراق.

انظر أيضًا

[عدل]

المراجع

[عدل]

قالب:مراجع

  1. ↑ ١٫٠ ١٫١ ١٫٢ ١٫٣ ١٫٤ ١٫٥ ١٫٦ F. J. Moberly, History of the Great War Based on Official Documents: The Campaign in Mesopotamia 1914–1918, Volume I, His Majesty's Stationery Office, London, 1923، محفوظ في المكتبة البريطانية، India Office Records، المرجع IOR/L/MIL/17/15/66/1، منشور رقمياً في المكتبة الرقمية القطرية.
  2. ↑ ٢٫٠ ٢٫١ ٢٫٢ ٢٫٣ ٢٫٤ ٢٫٥ ٢٫٦ National Army Museum, “Mesopotamia Campaign”، دراسة تاريخية عسكرية للحملة البريطانية والهندية في بلاد الرافدين بين 1914 و1918.
  3. ↑ ٣٫٠ ٣٫١ ٣٫٢ حميد أحمد حمدان، البصرة في عهد الاحتلال البريطاني (1914–1921)، مركز دراسات البصرة والخليج العربي، جامعة البصرة، 1979؛ وانظر التعريف الرسمي بالكتاب المنشور على موقع جامعة البصرة، 17 آب 2021.
  4. ↑ حميد أحمد حمدان، دراسة في تطور الأوضاع السياسية في البصرة 1908–1914، جامعة البصرة، المركز الثقافي، 1990، بيانات الكتاب المنشورة في مكتبة الجامعة المستنصرية.
  5. ↑ National Army Museum, “First World War Timeline”، السجل الزمني لمعارك الحرب العالمية الأولى، بما فيها البصرة والقرنة والشعيبة.
  6. ↑ ٦٫٠ ٦٫١ British Library, India Office Records and Private Papers, “Extracts of Communications relating to the Permanent British Occupation of Basra”، الوثيقة IOR/L/PS/18/B245، مؤرخة 14 كانون الأول 1916، وتتضمن مراسلات عن وضع البصرة منذ تشرين الثاني 1914.
  7. ↑ National Army Museum, “Capture of Qurna”، 3–9 كانون الأول 1914.
  8. ↑ نور إبراهيم نجم، «دور العشائر العربية في التصدي للغزو البريطاني للواء البصرة 1914–1915م»، مجلة الباحث، المجلد 42، العدد 4، الجزء الأول، ص 483–514، ضمن فهرس المجلات الأكاديمية العراقية.
  9. ↑ ميادة سالم علي، وفاطمة عبد الجليل ياسر، وتبارك حليم هاشم، «موقف أهالي مدينة الكاظمية من الاحتلال البريطاني للبصرة 1914–1915»، مجلة كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة ذي قار، DOI: 10.32792/jedh.v8i2.26.
  10. ↑ British Library, “Report on the Operations in the Vicinity of Shaiba, 12th–14th April 1915”، تقرير هيئة الأركان في الهند، سيملّا، 1915، المرجع IOR/L/MIL/17/15/95.
  11. ↑ National Army Museum, “In Their Own Words: Major General Sir Charles Melliss VC”، يتضمن وصفاً لمعركة الشعيبة ورسائل القائد البريطاني.
  12. ↑ National Army Museum, “7th Gurkha Rifles Escorting Turkish Prisoners Captured at the Battle of Shaiba, 1915”، وصف أرشيفي وصورة تاريخية، رقم الاقتناء NAM.1987-01-70-36.
  13. ↑ British Library, India Office Records, “File 4097/1914 Pt 1: Basra Administration”، ملف إداري بريطاني عن إدارة البصرة خلال الحرب العالمية الأولى، منشور في المكتبة الرقمية القطرية.
  14. ↑ ١٤٫٠ ١٤٫١ ١٤٫٢ فراقد داود سلمان الشلال، «دور بريطانيا في تطوير ميناء البصرة: مقدمة عن دور جورج بوكانان»، مركز دراسات البصرة والخليج العربي، جامعة البصرة، 3 آب 2021.
  15. ↑ British Library, “Summary of Correspondence Relative to the Administration of the Port of Basrah and Measures for the Control of the Shipping Traffic in Mesopotamia”، ملف مراسلات عن تنظيم الميناء والنقل النهري، محفوظ في المكتبة الرقمية القطرية.
  16. ↑ Imperial War Museums, “Indian Troops Boarding Bellums, Basrah, 1915”، صورة التقطها المقدم C. O. Mosse سنة 1915، محفوظة في متحف الحرب الإمبراطوري.
  17. ↑ British Library, “File 4097/1914 Pt 1: Basra Administration”، مراسلات إدارية عن الإنفاق الصحي والمستشفيات والمرافق الصحية في البصرة والعشار خلال 1914–1915.