تاريخ النفط في البصرة

تاريخ النفط في البصرة هو تاريخ عمليات البحث عن النفط واكتشافه وإنتاجه ونقله وتكريره وتصديره في محافظة البصرة، التي أصبحت منذ منتصف القرن العشرين المركز الرئيس للصناعة النفطية في جنوب العراق.

بدأت الاكتشافات التجارية الكبرى بحقل الزبير في أواخر أربعينيات القرن العشرين، ثم حقل الرميلة في خمسينياته. وتوسعت الصناعة لاحقًا لتشمل حقول غرب القرنة ومجنون وغيرها، إلى جانب إنشاء خطوط الأنابيب ومستودعات التخزين وموانئ التصدير والمصافي ومعامل معالجة الغاز.[١]

البدايات

عدل

ارتبطت بدايات التنقيب الحديث عن النفط في البصرة بالامتيازات النفطية التي مُنحت للشركات الأجنبية خلال النصف الأول من القرن العشرين. وأجرت الشركات أعمال مسح جيولوجي في السهل الرسوبي الجنوبي، بحثًا عن تراكيب مماثلة للحقول المكتشفة في مناطق أخرى من العراق والخليج العربي.

تأثرت أعمال الاستكشاف خلال أربعينيات القرن العشرين بظروف الحرب العالمية الثانية، لكنها استؤنفت وتوسعت بعد انتهائها، وتركزت في مناطق غرب مدينة البصرة.

اكتشاف حقل الزبير

عدل

كان حقل الزبير النفطي أول حقل كبير يدخل مرحلة التطوير التجاري في جنوب العراق. وبدأ حفر البئر الاستكشافية الأولى في أواخر أربعينيات القرن العشرين، وأثبتت النتائج وجود كميات تجارية من النفط.

تشير المصادر التاريخية إلى اكتشاف الحقل سنة 1949، بينما تذكر بعض سجلات الشركات أن أعمال الاكتشاف بدأت سنة 1948 واكتملت في العام التالي.[١]

بدأ الإنتاج التجاري من حقل الزبير في مطلع خمسينيات القرن العشرين، ونُقل النفط بواسطة خط أنابيب إلى منشآت التحميل في منطقة الفاو. ومثل ذلك بداية تحول البصرة إلى مركز لإنتاج النفط وتصديره من جنوب العراق.

اكتشاف حقل الرميلة

عدل

اكتُشف حقل الرميلة سنة 1953 بعد حفر آبار استكشافية غرب حقل الزبير. وأظهرت الاختبارات وجود مكامن نفطية واسعة، ولا سيما في تكوين الزبير الرملي.[٢]

بدأ الإنتاج من الجزء الجنوبي للحقل خلال خمسينيات القرن العشرين، ثم توسعت عمليات الحفر والتطوير تدريجيًا. وأُنشئت خطوط أنابيب لربط الرميلة بمنشآت الزبير والمستودعات ومرافق التصدير.

أصبح الرميلة لاحقًا أحد أكبر الحقول النفطية المنتجة في العراق، وأدى توسعه إلى إنشاء محطات عزل الغاز ومراكز التجميع وشبكات الكهرباء والمياه والطرق الخدمية.

إنشاء منظومة التصدير الجنوبية

عدل

تزامن تطوير حقلي الزبير والرميلة مع بناء منظومة لنقل النفط إلى الساحل العراقي. وشملت المنظومة:

  • خطوط أنابيب من الحقول إلى المستودعات.
  • محطات ضخ وقياس.
  • خزانات لتجميع النفط الخام.
  • منشآت تحميل في الفاو.
  • مرافق بحرية لاستقبال ناقلات النفط.

خرجت أولى الشحنات التجارية من نفط الزبير عبر مرافق الفاو في أوائل خمسينيات القرن العشرين. ثم توسعت شبكة التصدير مع زيادة إنتاج الحقول الجنوبية.

تأسيس شركة نفط الجنوب

عدل

تأسست شركة نفط الجنوب في 16 حزيران 1969 لتتولى إدارة وتطوير الأنشطة النفطية في جنوب العراق.[٣]

أصبحت الشركة الجهة الحكومية الأساسية المسؤولة عن الحقول والمنشآت النفطية في البصرة، وشملت أعمالها:

  • استكشاف النفط والغاز.
  • حفر الآبار.
  • إنتاج النفط الخام.
  • تشغيل محطات عزل الغاز.
  • صيانة المنشآت.
  • نقل النفط إلى المستودعات.
  • الإشراف على مشروعات التطوير.

تغير اسم الشركة لاحقًا من شركة نفط الجنوب إلى شركة نفط البصرة.

التأميم والإدارة الوطنية

عدل

شهد قطاع النفط العراقي في سبعينيات القرن العشرين انتقالًا واسعًا للأصول والعمليات النفطية إلى الإدارة الوطنية. ونتيجة لذلك أصبحت الدولة العراقية مسؤولة بصورة مباشرة عن إدارة الحقول والإنتاج والتصدير.

أدت الإدارة الوطنية إلى توسع دور الشركات الحكومية العراقية، وزيادة مشاركة المهندسين والفنيين العراقيين في تشغيل المنشآت وإدارة المكامن وحفر الآبار.

وشملت مشروعات تلك المرحلة:

  • توسيع إنتاج الرميلة والزبير.
  • إنشاء محطات جديدة لعزل الغاز.
  • تطوير خطوط الأنابيب.
  • زيادة طاقة التخزين.
  • إنشاء وتوسعة موانئ التصدير.
  • تطوير مصافي النفط ومعامل الغاز.

اكتشاف الحقول العملاقة الأخرى

عدل

كشفت أعمال الاستكشاف عن وجود تراكيب نفطية واسعة في شمال وشرق البصرة، من بينها:

احتاجت بعض هذه الاكتشافات إلى وقت طويل قبل دخولها مرحلة الإنتاج بسبب ضخامة المشروعات المطلوبة والظروف السياسية والأمنية التي مر بها العراق.

الحرب العراقية الإيرانية

عدل

تأثرت الصناعة النفطية في البصرة بشدة خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، بسبب قرب المحافظة من جبهات القتال والحدود الإيرانية.

تعرضت بعض المنشآت والموانئ وخطوط الأنابيب لهجمات وأضرار، وتوقفت أو انخفضت العمليات في عدد من المناطق. وكان حقل مجنون من أكثر المواقع تأثرًا بسبب موقعه القريب من الحدود ومناطق العمليات العسكرية.

اضطرت الجهات النفطية إلى إصلاح المنشآت وتحويل مسارات النقل واتخاذ إجراءات لحماية العاملين والمحطات والآبار.

حرب الخليج والعقوبات

عدل

تعرضت الصناعة النفطية لأضرار جديدة خلال حرب الخليج الثانية سنة 1991. وتضررت منشآت الإنتاج والتخزين والتصدير، كما أدت العقوبات الاقتصادية الدولية اللاحقة إلى صعوبة استيراد المعدات وقطع الغيار والتقنيات الحديثة.

خلال تسعينيات القرن العشرين واجه القطاع عدة مشكلات، منها:

  • تقادم المعدات.
  • نقص قطع الغيار.
  • محدودية عمليات الحفر.
  • تراجع أعمال الصيانة.
  • صعوبة تحديث المنشآت.
  • محدودية الاستثمار.
  • انخفاض القدرة على معالجة الغاز المصاحب.

سمح برنامج النفط مقابل الغذاء ببيع كميات محددة من النفط، لكنه لم ينهِ المشكلات الفنية المتراكمة في الحقول والمنشآت.

مرحلة ما بعد 2003

عدل

بعد عام 2003 بدأت برامج لإصلاح الآبار ومحطات المعالجة وخطوط الأنابيب والمستودعات ومرافق التصدير.

واجهت الصناعة خلال هذه المرحلة تحديات أمنية وفنية وإدارية، إلا أن الإنتاج الجنوبي أصبح تدريجيًا المصدر الرئيس للنفط العراقي المخصص للتصدير.

ركزت أعمال إعادة التأهيل على:

  • إصلاح الآبار المتوقفة.
  • تحديث محطات عزل الغاز.
  • صيانة خطوط الأنابيب.
  • زيادة طاقة التخزين.
  • إصلاح الموانئ والمنصات البحرية.
  • تحسين أنظمة القياس والسيطرة.
  • تدريب الكوادر الفنية.

جولات التراخيص النفطية

عدل

منذ عام 2009 أطلقت الحكومة العراقية جولات تراخيص للتعاقد مع شركات دولية بهدف تطوير الحقول وزيادة الإنتاج.

شملت العقود عددًا من حقول البصرة الكبرى، منها:

اعتمدت العقود الأولى بصورة أساسية على نموذج عقود الخدمة، حيث بقيت ملكية النفط للدولة العراقية، بينما حصلت الشركات المتعاقدة على أجور مرتبطة بالإنتاج والخدمات التي تقدمها.

وشملت برامج التطوير:

  • حفر آبار جديدة.
  • إعادة تأهيل الآبار القديمة.
  • بناء محطات معالجة.
  • تطوير أنظمة حقن المياه.
  • تحديث خطوط الأنابيب.
  • زيادة طاقة التخزين.
  • تطوير أنظمة الكهرباء والسيطرة.

تطوير مرافئ التصدير

عدل

أدى ارتفاع الإنتاج بعد جولات التراخيص إلى الحاجة لتوسعة مرافئ التصدير الجنوبية. وشملت المشروعات إنشاء عوامات أحادية الإرساء ومد خطوط أنابيب بحرية وتحديث مرافق ميناء البصرة النفطي وميناء خور العمية.

أصبحت الموانئ الجنوبية المنفذ الرئيس لصادرات النفط العراقي. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، خرجت جميع صادرات العراق النفطية البحرية خلال عام 2024 من المرافئ الجنوبية في الخليج العربي.[٤]

تطور درجات خام البصرة

عدل

مع توسع الإنتاج من حقول تختلف في خصائصها، اتجه العراق إلى تسويق درجات منفصلة من النفط، من أبرزها:

  • خام البصرة الخفيف سابقًا.
  • خام البصرة المتوسط.
  • خام البصرة الثقيل.

ساعد فصل درجات الخام على تحقيق مواصفات أكثر استقرارًا وتلبية متطلبات المصافي والأسواق العالمية.

استثمار الغاز المصاحب

عدل

رافق نمو إنتاج النفط ارتفاع كميات الغاز المصاحب. ولعقود طويلة كان جزء كبير من هذا الغاز يُحرق بسبب محدودية مرافق الجمع والمعالجة.

أُنشئت شركة غاز البصرة لتطوير جمع الغاز المصاحب من حقول الرميلة وغرب القرنة 1 والزبير ومعالجته لإنتاج:

  • الغاز الجاف.
  • غاز النفط المسال.
  • المكثفات.
  • مواد أولية للصناعات.

كما أطلقت وزارة النفط مشروعات لاستثمار الغاز في حقول مجنون ونهر بن عمر والرطاوي وحقول أخرى، بهدف تقليل الحرق وتوفير الوقود لمحطات الكهرباء.[٥]

تطوير حقل السيبة الغازي

عدل

مثّل تطوير حقل السيبة الغازي خطوة نحو إنتاج الغاز الحر في البصرة، بدل الاعتماد الكامل على الغاز المصاحب.

بدأ الإنتاج التجاري من الحقل في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وأُنشئت فيه محطة لمعالجة الغاز بطاقة تصميمية تبلغ نحو 100 مليون قدم مكعب قياسي يوميًا.[٦]

المشروعات المتكاملة

عدل

شهدت المرحلة الحديثة تحولًا من مشروعات تطوير الحقول منفردة إلى مشروعات تربط بين النفط والغاز والمياه والطاقة.

ومن أبرز هذه المشروعات مشروع الغاز المتكامل المرتبط بحقل الرطاوي، الذي يشمل:

  • تطوير إنتاج النفط.
  • جمع الغاز المصاحب.
  • إنشاء منشآت لمعالجة الغاز.
  • تطوير منظومة لتجهيز مياه البحر.
  • إنشاء مشروعات للطاقة الشمسية.
  • تحديث البنية التحتية المرتبطة بالحقل.

تطور الإدارة الوطنية

عدل

توسعت مسؤوليات شركة نفط البصرة مع نمو الإنتاج وتعدد العقود والمشروعات. وأصبحت الشركة تدير حقولًا بصورة مباشرة، وتراقب عمل شركات دولية ومتعاقدين في حقول أخرى.

وتشمل مسؤولياتها الحديثة:

  • إدارة الإنتاج.
  • الإشراف على عقود التطوير.
  • متابعة خطط الحفر.
  • تشغيل المنشآت الوطنية.
  • مراقبة مواصفات النفط.
  • تطوير البنية التحتية.
  • إدارة المشروعات الخدمية.
  • التنسيق مع شركات الغاز والتكرير والتصدير.

التحولات الحديثة

عدل

اتسمت المرحلة الحديثة بعدة اتجاهات، منها:

  • زيادة اعتماد العراق على حقول البصرة في الإنتاج والتصدير.
  • توسعة منشآت التصدير البحرية.
  • تطوير الحقول الأصغر.
  • إعادة التفاوض بشأن بعض عقود التشغيل.
  • زيادة دور شركة نفط البصرة في الإدارة المباشرة.
  • التوسع في جمع الغاز المصاحب.
  • تطوير منشآت التكرير.
  • استكشاف رقع برية وبحرية جديدة.
  • زيادة الاهتمام بالتأثيرات البيئية.

أثر النفط في تطور البصرة

عدل

أدى نمو صناعة النفط إلى تغيرات اقتصادية وعمرانية واجتماعية في المحافظة، من بينها:

  • إنشاء مدن ومجمعات سكنية للعاملين.
  • توسع شبكات الطرق والخدمات.
  • نمو الموانئ والنقل البحري.
  • ظهور شركات المقاولات والخدمات النفطية.
  • زيادة الطلب على المهندسين والفنيين.
  • توسع مؤسسات التعليم والتدريب المرتبطة بالطاقة.
  • نمو الصناعات النفطية والبتروكيميائية.

وفي المقابل، واجهت المناطق النفطية تحديات تتعلق بالتلوث والخدمات العامة وفرص العمل وتوزيع الإيرادات.

التسلسل الزمني

عدل
الفترة الحدث
أواخر أربعينيات القرن العشرين اكتشاف النفط تجاريًا في حقل الزبير
أوائل خمسينيات القرن العشرين بدء الإنتاج التجاري من الزبير وتصدير النفط عبر الفاو
1953 اكتشاف حقل الرميلة
خمسينيات وستينيات القرن العشرين توسع الإنتاج وإنشاء خطوط الأنابيب والمنشآت الجنوبية
16 حزيران 1969 تأسيس شركة نفط الجنوب
سبعينيات القرن العشرين توسع الإدارة الوطنية للقطاع النفطي
1980–1988 تضرر المنشآت والحقول خلال الحرب العراقية الإيرانية
1991 تعرض القطاع لأضرار خلال حرب الخليج
تسعينيات القرن العشرين تراجع الاستثمار والصيانة خلال العقوبات الاقتصادية
بعد 2003 بدء إعادة تأهيل الحقول والمنشآت
منذ 2009 توقيع عقود خدمة لتطوير الحقول الكبرى
العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين توسعة مرافئ التصدير وتطوير جمع الغاز المصاحب
المرحلة الحديثة تطوير الحقول الأصغر والرقع الاستكشافية والمشروعات المتكاملة

انظر أيضًا

عدل

المراجع

عدل

وصلات خارجية

عدل